في جريمة إرهابية هزّت الشارع الأردني وأثارت موجة من الغضب والاستنكار، تعرّضت كنيسة أرثوذكسية يونانية في محافظة الكرك جنوبي الأردن لهجوم مسلح، أثناء إقامة مراسم جنازة، في حادث دموي أعاد إلى الواجهة تساؤلات خطيرة حول أهداف الجماعات المتطرفة، ومحاولاتها المحتملة لضرب أمن المجتمعات العربية وإثارة الانقسامات الدينية والطائفية.
الهجوم الذي وقع يوم الجمعة 23 أكتوبر 2026، في قرية حمود بمحافظة الكرك، لم يستهدف موقعًا دينيًا فحسب، بل استهدف تجمعًا من المواطنين كانوا يشاركون في مناسبة إنسانية واجتماعية يفترض أن تسودها مشاعر الحزن والتضامن، فإذا بالرصاص يحوّل مراسم الجنازة إلى مشهد من الرعب والدماء.
ووفقًا للتقارير الصحفية التي نشرتها وكالات أنباء دولية، ارتفعت حصيلة القتلى إلى تسعة أشخاص في بعض التقارير اللاحقة، فيما أُصيب عشرات آخرون، وسط اختلاف الأرقام الأولية التي صدرت خلال الساعات الأولى من الحادث. وأكدت السلطات الأردنية أن الهجوم عمل إرهابي، وأن الأجهزة الأمنية تواصل ملاحقة المتورطين.
من هم المنفذون؟ وما جنسياتهم الحقيقية؟
هذا هو السؤال الأهم الذي ينتظر الرأي العام إجابة واضحة عنه.
حتى 25 أكتوبر 2026، لم تُعلن السلطات الأردنية بصورة رسمية ونهائية أسماء المهاجمين أو جنسياتهم، كما لم يُعلن عن جهة محددة تبنّت العملية. وأشارت التقارير إلى أن ثلاثة مسلحين ظهروا في تسجيلات مصورة وهم يطلقون النار قرب الكنيسة ويتحركون باتجاه مدخلها، بينما تحدثت بعض الإفادات عن احتمال وجود شخص آخر تولّى قيادة المركبة.
ووصف مسؤولون أردنيون منفذي الهجوم بأنهم متطرفون، لكن ذلك لا يعني أن هوياتهم أو انتماءاتهم التنظيمية قد حُسمت بصورة نهائية.
كما نقلت وسائل إعلام أردنية عن مصدر رسمي تقديرات أولية تشير إلى أن دوافع المهاجمين قد تكون مرتبطة بالفكر التكفيري. ومع ذلك، تظل هذه المعلومات في إطار التقديرات الأولية، ولا يجوز تقديمها باعتبارها حكمًا قضائيًا نهائيًا أو دليلًا على انتماء المنفذين إلى تنظيم بعينه.
ومن ثم، فإن أي معلومات متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي تزعم تحديد جنسياتهم أو أسماءهم أو الجهة التي تقف وراءهم تحتاج إلى تحقق رسمي مستقل قبل اعتمادها صحفيًا.
إن كشف هوية الجناة، ومصادر تسليحهم، والجهات التي ربما ساعدتهم أو حرّضتهم، يمثل ضرورة أمنية وقضائية، وليس مجرد استجابة إعلامية لتساؤلات الجمهور.
لماذا استُهدفت الكنيسة؟ وما الهدف من هذه الجريمة؟
السؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا يختار المسلحون كنيسة أثناء مراسم جنازة لتنفيذ هجوم بهذا الحجم؟ وهل كان الهدف قتل أكبر عدد ممكن من المدنيين، أم توجيه رسالة تتجاوز مكان الحادث إلى المجتمع الأردني بأكمله؟
لا تزال الدوافع النهائية غير محسومة، لكن يمكن طرح عدد من الاحتمالات التحليلية التي ينبغي اختبارها بالأدلة ونتائج التحقيق.
أولًا: احتمال إثارة الفتنة الطائفية.
إن استهداف مكان عبادة مسيحي يمكن أن يؤدي إلى نشر الخوف بين أبناء المجتمع المسيحي، وإثارة مشاعر الغضب والقلق، ومحاولة خلق حالة من التوتر بين مكونات المجتمع. وإذا ثبت أن هذا كان هدف المنفذين، فإن الجريمة تكون محاولة لضرب التعايش الوطني من خلال استهداف مواطنين بسبب مكان عبادتهم.
لكن لا يجوز الجزم بأن هذا هو الدافع النهائي قبل ظهور أدلة التحقيق.
ثانيًا: نشر الرعب وضرب الشعور بالأمان.
الهجوم المسلح على تجمع مدني أثناء جنازة يحمل رسالة ترهيب واضحة، بصرف النظر عن هوية الضحايا الدينية. فاختيار مناسبة عامة ومكان يتجمع فيه المدنيون قد يكون وسيلة لإحداث صدمة واسعة وإظهار قدرة المهاجمين على الوصول إلى أهداف مدنية.
ثالثًا: اختبار قدرة الأجهزة الأمنية.
قد تسعى جماعات متطرفة، في بعض الحالات، إلى اختبار إجراءات الحماية والاستجابة الأمنية، أو استغلال ثغرات في تأمين المواقع العامة. غير أن تحديد ما إذا كان هذا الهدف حاضرًا في هجوم الكرك يتطلب نتائج التحقيقات المتعلقة بالتخطيط المسبق ومسار المهاجمين وكيفية تنفيذ العملية.
رابعًا: توظيف التطرف الديني لتبرير العنف.
إذا أكدت التحقيقات ارتباط الجريمة بفكر تكفيري، فسيكون من الضروري فحص الخطاب التحريضي الذي سبقها، وأي اتصالات أو أنشطة أو علاقات تنظيمية للمشتبه فيهم. فالتطرف لا يتحول تلقائيًا إلى عمل مسلح في كل حالة، لكن التحريض والتجنيد والتخطيط والدعم اللوجستي قد تكون عناصر حاسمة في تفسير كيفية وقوع مثل هذه الجرائم.
الأردن أمام اختبار أمني ومجتمعي
يمثل الأردن دولة ذات تركيبة اجتماعية ودينية متنوعة، ويعيش المواطنون المسيحيون فيها باعتبارهم جزءًا من تاريخ البلاد ومجتمعها الوطني. ولذلك فإن استهداف كنيسة لا ينبغي التعامل معه باعتباره اعتداءً على جماعة دينية وحدها، بل باعتباره اعتداءً على أمن المواطنين وحقهم في ممارسة شعائرهم والعيش دون خوف.
وقد أدان مسؤولون أردنيون الهجوم، وتعهد الملك عبد الله الثاني بمحاسبة المسؤولين عنه، فيما باشرت الأجهزة المختصة التحقيق والملاحقة.
وتكمن أهمية المرحلة الحالية في أن تتمكن السلطات من الوصول إلى المنفذين، وتحديد ما إذا كانوا قد تصرفوا بصورة فردية أو ضمن شبكة منظمة، وكشف مصادر الأسلحة وأي تمويل أو تحريض أو مساعدة محتملة.
كما ينبغي ألا تتحول الجريمة إلى ذريعة لتوجيه اتهامات جماعية إلى أي طائفة أو تيار أو جنسية. فالمسؤولية الجنائية تقع على مرتكبي الجريمة ومن تثبت مشاركتهم فيها، وليس على جماعات كاملة بسبب الدين أو الانتماء أو الأصل.
هل هناك تنظيم إرهابي يقف وراء العملية؟
حتى الآن، لم تعلن جهة مسؤوليتها عن الهجوم، ولم تتوافر معلومات رسمية حاسمة تثبت ارتباط المنفذين بتنظيم إرهابي محدد داخل الأردن أو خارجه.
وهنا تظهر أهمية التمييز بين ثلاثة أمور: هوية المنفذين، والدافع الأيديولوجي المحتمل، والارتباط التنظيمي. فقد يكون الدافع متطرفًا دون أن يكون هناك تنظيم معروف يقف وراء العملية، وقد تكشف التحقيقات لاحقًا عن شبكة أوسع، لكن أيًا من الاحتمالين لا يجوز اعتماده حقيقة نهائية قبل ظهور الأدلة.
إن إعلان أسماء المشتبه فيهم وجنسياتهم، إذا تأكدت، وشرح مسار التخطيط والتنفيذ، سيكون خطوة أساسية لفهم الجريمة وتحديد المسؤوليات. أما إطلاق أسماء تنظيمات أو دول دون دليل موثوق، فقد يضلل الرأي العام ويضيف إلى المأساة توترات لا تخدم العدالة أو الأمن.
المطلوب الآن: الحقيقة والمحاسبة وحماية الوحدة الوطنية
إن أخطر ما يمكن أن ينتج عن مثل هذه الجريمة هو أن ينجح مرتكبوها في تحويل الدماء إلى خلافات اجتماعية أو دينية. ولذلك فإن مواجهة الإرهاب تتطلب تحقيقًا مهنيًا شفافًا، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته، وحماية دور العبادة، ومواجهة التحريض الذي يدفع إلى استباحة المدنيين.
كما أن كشف الحقائق يجب ألا يتوقف عند تحديد الأشخاص الذين ضغطوا على الزناد؛ بل ينبغي، إذا كشفت التحقيقات عن وجود شركاء، الوصول إلى كل من خطط أو موّل أو حرّض أو سهّل تنفيذ الهجوم، مع الالتزام بالأدلة والإجراءات القضائية.
الخلاصة: ما الهدف من تنفيذ العمل الإرهابي على كنيسة الأردن؟
إن احتمال إشعال الفتنة الطائفية وزعزعة الاستقرار يظل من الأسئلة الرئيسية التي يجب أن تختبرها التحقيقات، لكنه ليس حتى الآن دافعًا نهائيًا مثبتًا. أما المؤكد فهو وقوع هجوم مسلح دموي على مدنيين خلال جنازة في كنيسة بمحافظة الكرك، وسقوط قتلى وجرحى، واستمرار البحث عن المسؤولين عنه.
ويبقى السؤال الذي ينتظر الإجابة الرسمية: من هم المنفذون؟ وما جنسياتهم؟ وهل تحركوا بدافع فردي أم ضمن تنظيم أو شبكة متطرفة؟ ومن خطط للعملية، إن ثبت وجود تخطيط مسبق؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة بالأدلة، لا بالشائعات، هي الطريق إلى كشف الحقيقة وتحقيق العدالة، وإحباط أي محاولة لاستغلال دماء الضحايا في إشعال الفتنة أو تهديد وحدة المجتمع الأردني.
التعليقات الأخيرة