مصائب التوك توك.. بين لقمة العيش وفوضى الشوارع
بقلم الكاتب الصحفي أسامة حسان
نتحدث اليوم عن مشكلة تحولت إلى جزء من تفاصيل الحياة اليومية، وأصبح تجاهلها أكثر خطورة من مواجهتها، خاصة بعدما اتسعت آثارها وأصبحت تمس حياة الناس بصورة مباشرة.
وهذا هو الحال مع "التوك توك"؛ فقد بدأ كوسيلة بسيطة تساعد المواطنين على الوصول إلى الأماكن التي يصعب على وسائل النقل الأخرى الوصول إليها، وأصبح في الوقت نفسه مصدر رزق لعدد كبير من الأسر.
لكن مع الانتشار الكبير لهذه المركبات، ظهرت ممارسات وسلوكيات لا يمكن تجاهلها، وأصبح المشهد في بعض المناطق بحاجة إلى وقفة جادة تعيد الأمور إلى مسارها الصحيح.
فالمشكلة ليست في التوك توك نفسه، ولا في المواطن الذي يبحث عن وسيلة للرزق، وإنما في الفوضى التي صاحبت انتشاره.
فبعض السائقين يسيرون عكس الاتجاه، أو يتوقفون فجأة لالتقاط الركاب، أو يغيرون مسارهم دون تنبيه، بينما تتحول بعض المركبات إلى ما يشبه السباق في الشوارع، فتزيد الزحام وترفع احتمالات وقوع الحوادث، خاصة عندما يقودها صغار السن ممن يفتقدون الخبرة الكافية.
ولا تقتصر المشكلة على المرور...
فالمواقف العشوائية أمام محطات المترو والمواقف ومداخل الشوارع تعرقل حركة السير، إلى جانب بعض التصرفات غير اللائقة مع الركاب، واستخدام مكبرات الصوت وتشغيل أغانٍ تحمل أحيانًا ألفاظًا تخالف الذوق العام.
وتزداد الخطورة عندما تُستغل بعض مركبات التوك توك في ارتكاب الجرائم أو الهروب بعد وقوعها، مستفيدين من سهولة الوصول إلى الشوارع الجانبية والمناطق الضيقة.
كما تمثل القيادة تحت تأثير المخدرات أو استغلال بعض المركبات في نقل وترويجها خطرًا مباشرًا على السائق والركاب والمارة.
وهنا تصبح الرقابة ضرورة، من خلال تسجيل بيانات المركبات والسائقين بدقة وربطها بمنظومة إلكترونية فعالة، إلى جانب الفحص الدوري والكشف الطبي وكشف المخدرات، بما يساعد على تحديد المسؤولية والحد من المخالفات والحوادث.
ومع ذلك، لا يجوز التعميم؛ فهناك سائقون يحترمون عملهم ويلتزمون بالقانون، والتوك توك بالنسبة إليهم وإلى أسرهم "وسيلة للرزق قبل أن يكون وسيلة للنقل".
لذلك، لا يكون الحل في محاربة التوك توك أو قطع أرزاق العاملين به، وإنما في "تنظيمه بصورة عملية وحاسمة".
البداية بترخيص جميع المركبات والسائقين، ومنع القيادة لمن هم دون السن القانونية، مع الفحص الدوري للمركبات والكشف الطبي وكشف المخدرات.
ويجب كذلك تحديد خطوط سير واضحة وأماكن مخصصة للانتظار، ومنع الوقوف العشوائي أمام المواقف ومحطات المترو ومداخل الشوارع، مع تكثيف الحملات على المخالفات الخطرة، خصوصًا السير عكس الاتجاه والقيادة المتهورة.
كما يمكن أن يسهم "الربط الإلكتروني لبيانات المركبة والسائق" في سرعة التعرف على المخالفين وتحديد المسؤولية عند وقوع حادث أو جريمة، مع تسهيل إجراءات الترخيص للسائق الملتزم حتى يصبح الالتزام بالقانون هو الطريق الأسهل للعمل.
إننا لا نحتاج إلى حرب على التوك توك، بل إلى "نقطة نظام واضحة تحقق التوازن بين حق المواطن في العمل وحق المجتمع في الأمن والانضباط".
فحماية أرزاق الناس لا تعني تجاهل القانون، وتطبيق القانون لا يعني قطع أبواب الرزق. المطلوب أن يبقى التوك توك وسيلة للنقل والعمل، من خلال قواعد واضحة يعرفها الجميع وتطبق على الجميع.
وفي النهاية، القضية ليست مجرد «توك توك» في الشارع، وإنما قضية أكبر تتعلق بكيفية تحقيق التوازن بين لقمة عيش المواطن وحق المجتمع في الأمن والانضباط.
التعليقات الأخيرة