news-details
رياضة

سامح السماحي... حكاية رجل لم يتوقف عن الحلم، حتى عندما توقفت به الطرق

 


بقلم/نشأت البسيوني 


من طفل تمرد على المسار التقليدي في الثانية عشرة من عمره، إلى حارس مرمى اقترب من بوابة الدرجة الثالثة، ثم لاعب ومدرب في عالم الووشو والكونغ فو، ورحلة امتدت من الوطن إلى الأردن ولبنان، قبل أن تفرض الإصابة فصلا جديدا على حكاية لا تعرف الاستسلام.

ليست كل السير الذاتية مجرد سرد لأعوام مضت، ولا كل الحكايات الإنسانية يمكن اختصارها في مجموعة من التواريخ والأحداث. فهناك أشخاص تحمل حياتهم من التفاصيل ما يجعل كل مرحلة منها قصة مستقلة، وكل تجربة درسا، وكل تعثر بداية لطريق آخر.

وعندما نتوقف أمام حكاية الكابتن سامح السماحي، فإننا لا نتوقف أمام مسيرة رياضية تقليدية بدأت بممارسة لعبة وانتهت بالابتعاد عنها، بل أمام رحلة إنسانية طويلة، امتزج فيها الطموح بالمسؤولية، والرغبة في النجاح بضرورات الحياة، والحلم بالصبر، والموهبة بالتعب، والغربة بالبحث عن الذات.

إنها حكاية رجل لم تكن بدايته عادية، ولم تكن خطواته مرسومة سلفا، ولم يكن الطريق أمامه ممهدًا كما قد يتصور البعض. بدأ مبكرا في تحمل المسؤولية، وجرب أكثر من مهنة، وعرف معنى العمل قبل أن يعرف كثيرا من متع الحياة، ثم وجد في الرياضة مساحة للتعبير عن نفسه، فتنقل بين عالم كرة القدم وعالم الفنون القتالية، حتى أصبح مدربا في عمر مبكر، قبل أن تأخذه الحياة إلى محطات أخرى، كان أبرزها السفر والعمل في لبنان، ثم العودة إلى الوطن ومواجهة إصابة غيرت الكثير من تفاصيل مستقبله الرياضي.

إننا أمام سيرة لا تتحدث فقط عن لاعب مارس الرياضة، بل عن إنسان ظل يبحث عن مكانه، ويحاول أن يصنع لنفسه قيمة في كل مرحلة، حتى عندما لم تمنحه الظروف ما كان يتمناه.

الفصل الأول: البداية التي لم تكن تشبه البدايات

هناك أعمار تكون فيها الطفولة مساحة للعب واللهو واكتشاف الأشياء الصغيرة، وهناك أطفال تدفعهم طبيعة الحياة إلى النضج مبكرا، فيتعرفون على المسؤولية قبل أوانها، ويكتشفون أن العالم لا يمنح الإنسان كل شيء دون مقابل.

وفي الثانية عشرة من عمره، كانت أولى ملامح شخصية سامح السماحي تتشكل بصورة مختلفة.

كان والده يعمل في مجال التجارة، وكان الطريق الطبيعي أمام الابن أن يقترب من المهنة العائلية، وأن يسير في المسار الذي اعتاده الأب، لكن سامح كان يحمل بداخله رغبة أخرى، وشخصية تميل إلى التجربة والاستقلال واكتشاف مجالات مختلفة.

لم يكن تمرده على مهنة والده رفضا لقيمة العمل أو تقليلا من شأن التجارة، وإنما كان تعبيرا مبكرا عن رغبة في أن يخوض تجربته الخاصة، وأن يعرف الحياة من أبواب متعددة.

ومن هنا بدأ يعمل في عدد من المجالات، ويتنقل بين أعمال مختلفة، ويكتسب خبرات لم تكن تتناسب بالضرورة مع سنه الصغيرة، لكنها أسهمت في تكوين شخصيته.

لقد عرف معنى أن يبذل الإنسان جهدا مقابل ما يحصل عليه، وأن يتحمل مسؤولية اختياراته، وأن يواجه الحياة بواقعية، بعيدا عن الأحلام السهلة.

كانت تلك السنوات بمثابة مدرسة أولى لم يتعلم فيها من الكتب وحدها، بل تعلم من الناس والمواقف والتجارب اليومية.

ولعل هذه البداية تفسر جانبا مهما من شخصيته فيما بعد؛ فهو لم يكن من النوع الذي ينتظر أن تأتيه الفرصة حتى يتحرك، بل كان يميل إلى البحث عنها، حتى وإن اضطر إلى تغيير الطريق أكثر من مرة.

وهنا يمكن القول إن أولى بطولات سامح السماحي لم تبدأ في ملعب كرة القدم، ولا داخل صالة للفنون القتالية، وإنما بدأت في مواجهة مبكرة مع متطلبات الحياة.

الفصل الثاني: الحلم الأول... حارس مرمى يرى العالم من خلف القائمين

قبل أن يعرف سامح السماحي عالم الووشو والكونغ فو، كانت كرة القدم هي بوابته الأولى إلى عالم الرياضة.

وجد في المستطيل الأخضر مساحة يحبها، وفي كرة القدم عالما يستطيع من خلاله التعبير عن طاقته وطموحه. لكنه لم يختر مركزا عاديا، بل اتجه إلى حراسة المرمى، ذلك المركز الذي يحمل مسؤولية استثنائية داخل الفريق.

فحارس المرمى ليس مجرد لاعب يقف بين القائمين، وإنما هو آخر خطوط الدفاع، وصاحب الدور الذي قد تتغير نتيجة المباراة بسببه في لحظة واحدة.

إنه يحتاج إلى الشجاعة والتركيز وسرعة رد الفعل، كما يحتاج إلى الثبات النفسي والقدرة على التعامل مع الضغط، لأن الخطأ في هذا المركز كثيرا ما يكون مكلفا.

بدأ سامح مشواره في حراسة المرمى منذ الطفولة، وتدرب واجتهد، واستطاع أن يلفت الأنظار إلى مستواه، حتى أصبح معروفا في محيطه الرياضي خلال تلك الفترة.

ولم يكن الأمر مجرد ممارسة عابرة أو هواية يمارسها في أوقات الفراغ، فقد تطورت تجربته حتى صعد إلى أحد الفرق التي تلعب في دوري الدرجة الثالثة.

كانت تلك الخطوة تمثل اقترابا حقيقيا من حلم رياضي كان يمكن أن يأخذه إلى مسار مختلف تماما.

تخيل شابا صغيرا يرى نفسه داخل الملعب، ويشعر بأن سنوات التدريب بدأت تؤتي ثمارها، وأن الطريق الذي اختاره قد يفتح له أبوابا جديدة.

لكن الحياة لا تسير دائما وفق ما نخطط له، وليس كل حلم يبدأ معنا قادرا على الوصول إلى نهايته.

فقد توقفت تجربة سامح في حراسة المرمى، ولم يتمكن من استكمال مشواره الكروي لأسباب حالت دون مواصلته الطريق.

وهنا جاءت أولى المحطات الصعبة في حياته الرياضية.

فالابتعاد عن حلم نحبه ليس أمرا هينا، خاصة عندما يكون الإنسان قد استثمر فيه وقته وجهده ومشاعره، وبدأ يرى نفسه جزءا من مستقبله.

لكن الفارق بين من يتوقف عند خسارة تجربة، ومن يستطيع تحويل الخسارة إلى بداية جديدة، هو طريقة تعامله مع ما حدث.

وسامح لم يجعل توقف مشواره الكروي نهاية لعلاقته بالرياضة.

لقد أغلق بابا، لكنه لم يغلق قلبه أمام حلم جديد.

الفصل الثالث: المصادفة التي فتحت بابا آخر

أحيانا لا تأتي أهم التحولات في حياة الإنسان نتيجة تخطيط طويل، بل تبدأ بمصادفة صغيرة، ثم تتحول مع الوقت إلى طريق كامل يغير شكل المستقبل.

وفي مرحلة المراهقة، جاءت المصادفة التي قادت سامح السماحي إلى عالم مختلف، عالم الووشو والكونغ فو.

كانت رياضة قتالية أحبها، ووجد فيها شيئا جذبه إليها، فبدأ التدريب، ولم يكن يدرك في تلك اللحظة أن هذه اللعبة سوف تتحول من مجرد اهتمام جديد إلى جزء رئيسي من حياته.

كان انتقاله من كرة القدم إلى الفنون القتالية انتقالا في طبيعة التحدي نفسه.

ففي حراسة المرمى كان يتعلم كيف يحمي مرماه، وكيف يتعامل مع لحظات الخطر، أما في الووشو والكونغ فو فقد أصبح مطالبا ببناء قدراته البدنية والذهنية بصورة مختلفة، وتطوير المرونة والتوازن والسرعة والدقة والتحكم في الحركة.

ولم تكن البداية سهلة.

كانت أمامه تحديات مادية وعملية وتعليمية، وكان عليه أن يوفق بين دراسته وعمله وتدريباته، وهي مسؤوليات ثقيلة على شاب في مقتبل العمر.

فالتدريب يحتاج إلى وقت، والعمل يحتاج إلى جهد، والدراسة تحتاج إلى تركيز، والجمع بين هذه الأمور جميعا يتطلب قدرة كبيرة على تنظيم الحياة وتحمل الضغوط.

لم يكن يملك رفاهية أن يترك كل شيء ويتفرغ لرياضته، ولم تكن الظروف تسمح له بأن يسلك الطريق الأسهل.

كان يعمل ويتعلم ويتدرب، ويواجه التعب في أكثر من اتجاه، لكنه لم يتخل عن اللعبة التي أحبها.

وهنا تظهر قيمة الإصرار الحقيقي.

فليس من الصعب أن يتحمس الإنسان في بداية الطريق، لكن الصعوبة الحقيقية أن يستمر عندما تتراكم المسؤوليات، وعندما تتعارض الرغبات مع الإمكانات، وعندما يصبح الوصول إلى التدريب نفسه تحديا يحتاج إلى جهد إضافي.

لقد كانت سنوات التأسيس بالنسبة إليه سنوات صناعة شخصية، وليست مجرد سنوات تعلم حركات رياضية.

الفصل الرابع: من لاعب يبحث عن الإتقان إلى تلميذ في مدرسة الخبرة

في مشوار سامح مع الووشو والكونغ فو، كان لتدريبه على يد مدرب مصري درس اللعبة في الصين أثر مهم في بناء تجربته.

فالمدرب الذي يجمع بين الخبرة المحلية والاطلاع على مدارس التدريب الصينية يستطيع أن ينقل إلى لاعبيه رؤية أوسع لطبيعة اللعبة وأساليبها.

وهكذا وجد سامح نفسه أمام فرصة للتعلم على يد شخص يمتلك خبرة ودراسة في هذا المجال.

بدأ يتعمق في التدريب، ويطور مستواه، ويتعرف على الجوانب الفنية للعبة، ولم يكتف بمجرد أداء الحركات، بل أصبح أكثر اهتماما بفهم تفاصيلها وإتقانها.

ومع مرور الوقت، أصبح مميزا بين زملائه، وبدأت قدراته تظهر بصورة واضحة.

ولم يكن التميز الذي وصل إليه وليد يوم أو شهر، بل نتيجة تراكم سنوات من التدريب والاجتهاد، والتعلم من المدرب، والاستفادة من كل فرصة أتيحت له.

إن رياضات الفنون القتالية لا تقوم على القوة البدنية وحدها، بل تحتاج إلى انضباط دقيق، وتركيز عال، وتناسق بين العقل والجسد، وقدرة على التحكم في الحركة والاندفاع.

كما أن اللاعب الذي يريد أن يتقدم في هذا المجال لا بد أن يتعلم الصبر، لأن إتقان المهارة يحتاج إلى تكرار ومراجعة وتصحيح مستمر.

ومن هنا لم يكن غريبا أن تتطور تجربة سامح، وأن ينتقل من مرحلة المتدرب الذي يتلقى التعليمات إلى مرحلة أكثر تقدما، أصبح فيها قادرا على مساعدة غيره في التدريب.

كانت هذه بداية التحول الحقيقي في مسيرته.

الفصل الخامس: الثامنة عشرة... العمر الذي أصبح فيه سامح مسؤولا عن صناعة لاعبين آخرين

من المحطات التي تستحق التوقف أمامها طويلا أن سامح السماحي وصل إلى مرحلة مساعد المدرب، ثم أصبح مدربا وهو في الثامنة عشرة من عمره.

إنها مرحلة مبكرة للغاية بالنسبة إلى شاب لم يمض وقت طويل على انتقاله إلى عالم الفنون القتالية.

فبينما كان كثير من الشباب في هذا العمر لا يزالون في بداية اكتشاف قدراتهم، كان سامح قد بدأ يتحمل مسؤولية تدريب الآخرين.

ولم تكن المسؤولية بسيطة، فقد أصبح مدربا للأطفال داخل أحد الأندية المهمة، وهي تجربة تختلف تماما عن تجربة اللاعب.

فاللاعب يتدرب من أجل تطوير نفسه، أما المدرب فيتحمل مسؤولية مجموعة من المتدربين، ويصبح مطالبا بأن ينقل إليهم ما تعلمه، وأن يراقب أداءهم، ويصحح أخطاءهم، ويشجعهم على الاستمرار.

والتعامل مع الأطفال تحديدا يحتاج إلى قدر كبير من الصبر والقدرة على التواصل.

فالطفل لا يحتاج فقط إلى مدرب يعرف اللعبة، بل يحتاج إلى شخص يستطيع أن يشرح له، ويحتويه، ويكتشف نقاط قوته، ويساعده على تجاوز نقاط ضعفه.

وهنا يصبح التدريب رسالة تربوية إلى جانب كونه مهمة رياضية.

فالطفل الذي يدخل الصالة لأول مرة لا يتعلم مجرد حركة قتالية، بل يتعلم الالتزام بالمواعيد، واحترام المدرب والزملاء، والانضباط، والثقة بالنفس، وقيمة المحاولة بعد الخطأ.

ولذلك فإن مسؤولية المدرب لا تتوقف عند حدود المهارة الفنية، وإنما تمتد إلى بناء شخصية المتدرب.

وكان انتقال سامح إلى التدريب في هذه السن المبكرة علامة فارقة في حياته، لأنه لم يعد مجرد شخص يسعى إلى تحقيق حلمه الخاص، بل أصبح يشارك في تشكيل أحلام أطفال آخرين.

وكم هو جميل أن يتحول ما تعلمه الإنسان بعد سنوات من التعب إلى معرفة يقدمها لمن هم أصغر منه سنا.

لقد أصبح سامح في الثامنة عشرة من عمره يحمل مسؤولية لم تأت من فراغ، بل جاءت بعد مراحل من التعلم والتدريب والاحتكاك بالخبرات.

الفصل السادس: مرحلة الخدمة... حين ظلت الرياضة حاضرة رغم اختلاف الظروف

بعد هذه المرحلة، جاءت محطة الالتحاق بالخدمة، لتضيف جانبا جديدا إلى حياته.

فقد انتقل سامح إلى بيئة مختلفة، لها متطلباتها والتزاماتها، لكن ارتباطه بالرياضة لم ينقطع بصورة كاملة.

وكان له دور تدريبي في اللعبة أثناء فترة خدمته.

وهذه نقطة مهمة في قراءة شخصيته؛ لأن الرياضة ظلت حاضرة معه حتى عندما تغيرت طبيعة حياته اليومية.

فالإنسان الذي يرتبط بمجال معين ارتباطا حقيقيا لا يتركه بسهولة، حتى وإن تغيرت الظروف المحيطة به.

لقد أصبحت خبرته السابقة وسيلة يستطيع من خلالها أن يقدم شيئا للآخرين، وأن يستثمر ما تعلمه في مرحلة جديدة.

وكانت هذه التجربة امتدادا لمسيرته التدريبية، ودليلا على أن ما اكتسبه من مهارات لم يكن مرتبطا بمكان واحد أو ناد واحد، وإنما أصبح جزءا من خبرته الشخصية.

ومع انتهاء الخدمة، كان سامح يتطلع إلى استكمال حياته المهنية والرياضية، لكنه وجد نفسه أمام مرحلة لم تكن سهلة.

الفصل السابع: الصدمة بعد انتهاء الخدمة... عندما لا يجد الحلم المكان الذي يستحقه

أحيانا لا تكون المشكلة في غياب الرغبة، ولا في نقص الخبرة، وإنما في غياب البيئة التي تسمح للإنسان بأن يستخدم ما يمتلكه من قدرات.

وهذا ما واجهه سامح بعد انتهاء مرحلة الخدمة.

كان لديه شغف باللعبة، وخبرة في التدريب، ورغبة في مواصلة الطريق، لكنه لم يجد المكان المناسب الذي يسمح له باستكمال مشواره الرياضي بالصورة التي كان يتمناها.

كانت صدمة مؤلمة؛ لأن الإنسان حين يكتشف مجالا يحبه، ثم يبذل سنوات من عمره في تعلمه وتطوير نفسه فيه، يصبح من الصعب عليه أن يقبل الابتعاد عنه دون أن يحاول البحث عن بديل.

لقد كان أمام واقع يختلف عن طموحاته.

وكان عليه أن يقرر: هل يبقى في مكان لا يستطيع فيه تحقيق ما يريد، أم يغامر بالبحث عن فرصة في مكان آخر؟

وهنا بدأت فكرة السفر تفرض نفسها.

لم يكن السفر بالنسبة إليه مجرد رغبة في تغيير المكان، ولا مجرد بحث عن تجربة جديدة، بل كان محاولة لإعادة فتح الطريق أمام حلم تعثر في الوطن.

ومن هنا بدأت رحلة الغربة.

الفصل الثامن: الأردن... أول اختبار حقيقي خارج حدود الوطن

كانت الأردن المحطة الأولى في رحلة سامح السماحي إلى الخارج.

سافر وهو يحمل خبراته وأحلامه وتطلعاته، وكان يأمل أن يجد في البلد الجديد مساحة يستطيع من خلالها أن يواصل العمل في مجال التدريب.

لكن السفر لا يعني بالضرورة أن الأبواب ستفتح فور الوصول، ولا أن الخبرة التي اكتسبها الإنسان ستجد مكانها بسهولة.

فلكل بلد ظروفه، ولكل مجتمع طبيعة مختلفة، ولكل مجال رياضي متطلباته الخاصة.

وعندما وصل سامح إلى الأردن، وجد أن اللعبة التي ارتبط بها لا تمتلك المكان الذي كان يبحث عنه، ولم يجد الفرصة المناسبة التي تسمح له باستكمال مشواره في التدريب.

وهنا واجه خيبة أمل جديدة.

لكن هذه الخيبة لم تكن مجرد عدم العثور على عمل مناسب، بل كانت مرتبطة بشيء أعمق، وهو شعوره بأن المجال الذي بذل فيه سنوات من عمره لا يجد المساحة التي يستحقها في هذه المحطة.

ومع ذلك، لم يعتبر التجربة نهاية المطاف.

لقد تعلم من سنوات حياته الأولى أن الطريق قد يتغير، وأن الإنسان لا ينبغي أن يربط مستقبله بمحاولة واحدة.

ولهذا اتجه إلى لبنان.

كانت خطوة جديدة في المجهول، لكنها حملت في داخلها أملا مختلفا.

الفصل التاسع: لبنان... المحطة التي أعادت للحلم بعض ملامحه

تختلف بعض المحطات في حياة الإنسان عن غيرها، ليس لأنها خالية من الصعوبات، بل لأنها تمنحه فرصة ليرى نتيجة سنوات من العمل والتعب.

وكانت لبنان واحدة من أهم محطات رحلة سامح السماحي.

فبعد تجربته في الأردن، انتقل إلى لبنان، وهناك وجد فرصة أفضل لممارسة التدريب، واستطاع أن يعمل مدربا بصورة متميزة خلال فترة من حياته.

كانت تلك المرحلة بمثابة استرداد لجزء من الحلم الذي ظل يبحث عنه.

فالرجل الذي بدأ طفلا يتدرب على الفنون القتالية، ثم أصبح مساعد مدرب ومدربا في سن الثامنة عشرة، وجد نفسه في بلد جديد يمارس العمل الذي أحبه، ويستثمر الخبرة التي اكتسبها عبر السنوات.

ولم يكن التدريب في الغربة أمرا بسيطا.

فالمدرب الذي يعمل خارج وطنه يحتاج إلى أن يثبت كفاءته، وأن يتعامل مع بيئة جديدة، وأن يتعرف على طبيعة المجتمع الذي يعمل فيه، وأن يثبت قدرته على التواصل وبناء الثقة.

كما أن الغربة نفسها لها أعباؤها النفسية والاجتماعية.

فالإنسان قد ينجح مهنيا، لكنه يظل يفتقد تفاصيل كثيرة من حياته الأولى؛ الأسرة، والأصدقاء، والوجوه التي اعتاد رؤيتها، والأماكن التي تحمل ذكرياته.

ومع ذلك استطاع سامح أن يقضي سنوات في لبنان مدربا متميزا، وأن يحقق جانبا من طموحه، إلى جانب عمله الفني.

وهنا لا بد أن نتوقف أمام نقطة مهمة: لم يذهب كل ما تعلمه في سنوات البداية هباء.

فالجهد الذي بذله في التوفيق بين الدراسة والعمل والتدريب، والخبرة التي اكتسبها على أيدي مدربيه، والمسؤولية التي تحملها في تدريب الأطفال، كلها كانت أدوات ساعدته على الاستفادة من فرصته في لبنان.

لقد أثبتت هذه المرحلة أن الإنسان قد يتأخر في الوصول إلى المكان الذي يريده، لكنه يستطيع أن يجد لنفسه طريقا آخر متى امتلك الإرادة والخبرة.

وكانت سنوات لبنان جزءا مهما من ذاكرته المهنية والإنسانية، ومرحلة يستحق أن ينظر إليها باعتزاز.

الفصل العاشر: العمل الفني والتدريب... وجهان لحياة لم تعرف الراحة

من التفاصيل اللافتة في رحلة سامح أنه لم يعتمد على التدريب وحده، بل جمع بينه وبين العمل الفني.

وهذا يعكس طبيعة الحياة التي عاشها، فلم يكن الطريق أمامه يسمح له بأن يختار دائما مجالا واحدا ويتفرغ له بصورة كاملة.

كان عليه أن يعمل من أجل متطلبات الحياة، وأن يحافظ في الوقت نفسه على ارتباطه بالمجال الرياضي.

وهذه معادلة صعبة يعرفها كل من حاول أن يبني مستقبله في ظروف مادية غير مستقرة.

فالتوفيق بين المهنة والشغف يحتاج إلى جهد مضاعف، ويجعل الإنسان في كثير من الأحيان يعيش يومه موزعا بين أكثر من مسؤولية.

ومع ذلك استطاع سامح أن يستمر في هذا التوازن خلال سنوات من حياته.

وهنا تظهر قيمة أخرى في شخصيته، وهي أنه لم يكن ينظر إلى العمل باعتباره عائقا أمام حلمه، بل كان وسيلة للاستمرار في الحياة، مع الاحتفاظ بما يحب.

لقد كان عليه أن يكون عمليا في حساباته، وطموحا في أحلامه، وصبورا في تعامله مع الظروف.

وهذه من أصعب المعادلات التي يواجهها الإنسان عندما يحاول أن يصنع مستقبله بجهده الشخصي.

الفصل الحادي عشر: العودة إلى الوطن... عندما تستدعي الجذور صاحبها

مرت السنوات، وانتهت مرحلة الغربة، وعاد سامح إلى بلده.

والعودة إلى الوطن بعد سنوات من السفر تحمل مشاعر متناقضة؛ فرحة اللقاء بالأهل والأماكن القديمة، وحنين إلى تفاصيل الحياة التي غاب عنها الإنسان، وفي الوقت نفسه شعور بأن الزمن لم يتوقف في غيابه.

فالبلاد تتغير، والناس تتغير، والظروف تتبدل، وحتى الإنسان نفسه يعود مختلفا عما كان عليه عند سفره.

يعود محملا بتجارب كثيرة، وبخبرات لم تكن لديه من قبل، وبذكريات عن أماكن وأشخاص ومواقف تركت أثرا في داخله.

وسامح عاد بعد رحلة لم تكن قصيرة في معناها أو تفاصيلها.

عاد بعد أن عرف أكثر من بيئة، وعمل في أكثر من مجال، وخاض تجارب رياضية ومهنية وإنسانية متعددة.

لكنه لم يعد إلى وطنه مجرد عائد من سفر، بل عاد وهو يحمل تاريخا شخصيا تشكل عبر سنوات طويلة.

وكان من الطبيعي أن يحاول ترتيب حياته من جديد، وأن يتعامل مع المرحلة المقبلة بما تفرضه من ظروف ومتطلبات.

لكن القدر كان يخبئ له اختبارا آخر.

الفصل الثاني عشر: الإصابة... الفصل الذي لم يكن في الحسبان

في حياة الرياضي لحظات كثيرة من التعب، لكن هناك لحظة تكون أكثر قسوة من غيرها؛ عندما يصبح الجسد الذي كان وسيلته للحركة والإنجاز عاجزا عن ممارسة ما اعتاد عليه.

وهذا ما حدث مع سامح السماحي عندما تعرض لإصابة في قدمه.

قد تبدو إصابة القدم للإنسان العادي أمرا يمكن التعامل معه باعتباره مشكلة صحية، لكن بالنسبة إلى لاعب أو مدرب ارتبطت حياته بالحركة والتدريب، فإن الأمر يحمل معنى مختلفا تماما.

فالقدم بالنسبة إلى الرياضي ليست مجرد جزء من الجسد، بل هي وسيلة أساسية للأداء والتوازن والحركة والتنقل.

وفي رياضات مثل الووشو والكونغ فو، تتداخل حركة القدمين مع التوازن والسرعة والدوران وتغيير الاتجاهات وتنفيذ المهارات الفنية.

ولذلك فإن الإصابة قد تكون سببا في توقف الممارسة، أو في فرض قيود كبيرة على ما يستطيع الرياضي القيام به.

وبالنسبة إلى سامح، جاءت هذه الإصابة لتضع حدا لممارسته اللعبة التي أحبها، وتبعده عن عالم ظل جزءا من حياته لسنوات طويلة.

وهنا تبدأ أصعب المشاعر.

ليس من السهل أن يبتعد الإنسان عن شيء كان يملأ يومه، ويمنحه هدفا، ويحدد جزءا من هويته.

ليس من السهل أن يرى الصالة التي اعتاد دخولها من بعيد، وأن يتذكر التدريبات التي كان يؤديها، وأن يستعيد في ذاكرته لحظات كان فيها النشاط والحركة جزءا طبيعيا من حياته.

وليس من السهل على مدرب اعتاد توجيه الآخرين أن يجد نفسه في موقف يحتاج فيه إلى إعادة النظر في قدراته وحدود جسده.

إن الابتعاد عن الرياضة بسبب الإصابة لا يعني فقط التوقف عن ممارسة نشاط بدني، بل قد يعني فقدان روتين كامل، وعلاقات اجتماعية، وشعور بالإنجاز، ومساحة كان الإنسان يجد فيها نفسه.

ولهذا فإن هذه المحطة تستحق أن نتعامل معها بكل تقدير واحترام.

فالإصابة لم تكن مجرد عثرة عابرة في طريق طويل، بل كانت تحولا في طبيعة العلاقة بين سامح والرياضة.

ومع ذلك، تبقى هناك حقيقة لا تتغير: أن ما صنعه الإنسان خلال سنوات طويلة لا يختفي بمجرد توقفه عن الممارسة.

فالخبرة تبقى، والمعرفة تبقى، والذكريات تبقى، والأثر الذي تركه المدرب في نفوس المتدربين لا تمحوه المسافات ولا الإصابات.

الفصل الثالث عشر: ما الذي تخبرنا به هذه الرحلة عن شخصية سامح السماحي؟

عندما نقرأ هذه السيرة بتأن، نكتشف أن أهم ما فيها ليس انتقال سامح من لعبة إلى أخرى، ولا سفره من بلد إلى بلد، وإنما مجموعة الصفات التي ظهرت خلال كل مرحلة من مراحل حياته.

لقد بدأ مبكرا في تحمل المسؤولية، ولم يكن يخشى التجربة والعمل.

وحين تعثر حلم كرة القدم، لم يحول التجربة إلى سبب للانسحاب من الرياضة، بل بحث عن مجال آخر يستطيع من خلاله أن يستكمل شغفه.

وحين واجه صعوبة التوفيق بين الدراسة والعمل والتدريب، لم يتخل عن أحد هذه الجوانب بسهولة.

وحين أصبح مدربا في سن الثامنة عشرة، انتقل من مرحلة تلقي المعرفة إلى مرحلة نقلها للآخرين.

وحين لم يجد الفرصة المناسبة بعد الخدمة، لم يحصر طموحه في مكان واحد، بل فكر في السفر.

وحين لم يجد ما يبحث عنه في الأردن، اتجه إلى لبنان.

وحين عاد إلى الوطن، واجه ظروفا جديدة، ثم جاءت الإصابة لتفرض عليه واقعا لم يكن يختاره.

هذه ليست تفاصيل متفرقة، بل حلقات مترابطة في شخصية إنسان تعود أن يحاول.

والأهم من ذلك أن رحلته تذكرنا بأن النجاح لا يأتي دائما في صورة واحدة.

فقد لا يصبح اللاعب نجما مشهورا، لكنه قد يصبح مدربا جيدا.

وقد لا يستمر المدرب في الميدان طوال عمره، لكنه قد يترك أثرا في جيل من المتدربين.

وقد لا تتحقق كل الطموحات التي حملها الإنسان في بداياته، لكنه يستطيع أن يحقق بعضا منها، وأن يكتسب في الطريق خبرة لا تقل قيمة عن أي إنجاز مادي.

الفصل الرابع عشر: من حارس مرمى إلى مدرب فنون قتالية... مسيرة متعددة الوجوه

إذا أردنا أن نختصر التحولات التي مرت بها حياة سامح السماحي، فسنجد أنها ليست مجرد تغييرات في المهنة أو المجال، بل انتقالات بين شخصيات وأدوار متعددة.

في البداية كان طفلا يبحث عن الاستقلال، ثم أصبح شابا يعمل ويتعلم ويجرب.

بعد ذلك كان حارس مرمى يطمح إلى مواصلة طريق كرة القدم، ثم أصبح لاعبا في عالم الفنون القتالية.

وبعد سنوات من التدريب، أصبح مساعد مدرب، ثم مدربا في الثامنة عشرة.

ثم حمل خبرته إلى مرحلة الخدمة، قبل أن يبحث عن مستقبله خارج وطنه.

وفي الأردن واجه صعوبة العثور على الفرصة المناسبة، بينما كانت لبنان محطة استطاع فيها أن يعمل مدربا ويحقق جانبا من طموحه.

ثم عاد إلى وطنه، قبل أن تؤثر إصابة القدم في قدرته على مواصلة ممارسة اللعبة.

كل مرحلة من هذه المراحل تحمل درسا مختلفا.

فمرحلة الطفولة تعلمنا المبادرة، ومرحلة الرياضة تعلمنا الإصرار، ومرحلة التدريب تعلمنا المسؤولية، ومرحلة الغربة تعلمنا الصبر، ومرحلة الإصابة تعلمنا أن الإنسان قد يضطر إلى إعادة اكتشاف نفسه من جديد.

وهكذا أصبحت حياته أشبه بكتاب متعدد الفصول، لا يتشابه فصل فيه مع الآخر، لكن جميع الفصول تتصل بخيط واحد: الرغبة في أن تكون للحياة قيمة، وأن يكون للجهد معنى.

الفصل الخامس عشر: البطولة الحقيقية ليست دائما على منصات التتويج

اعتدنا عندما نتحدث عن الرياضيين أن نبحث عن البطولات والألقاب والميداليات والإنجازات الرسمية.

وهذا أمر طبيعي في عالم الرياضة، لكنه ليس المعيار الوحيد لتقدير التجارب الإنسانية.

فهناك أشخاص قضوا سنوات طويلة في التدريب، وواجهوا صعوبات مالية ومهنية، وقدموا وقتهم وجهدهم للعبة التي أحبوها، وساهموا في تعليم الآخرين، دون أن تكون كل تفاصيل مسيرتهم موثقة في سجل

البوم الصور

News photo
News photo
News photo
News photo
News photo
News photo
News photo

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا