news-details
مقالات

من يسرق عقولنا؟ حين أصبح الانتباه سلعة.. والوعي معركة لا نراها


بقلم  د. عاشور غرياني

لم تعد أخطر المعارك التي يخوضها الإنسان في هذا العصر تلك التي تُسمع فيها أصوات المدافع، أو تُرسم فيها حدود الصراعات على خرائط الدول، بل أصبحت هناك معركة أكثر هدوءًا وخطورة، تدور داخل العقول، وتستهدف طريقة تفكيرنا، وقدرتنا على التمييز، وحتى اختياراتنا التي نظن أنها نابعة من إرادتنا الحرة.
إنها معركة السيطرة على الانتباه.
في عالم تتزاحم فيه الشاشات، وتتدفق فيه الأخبار، وتتسابق فيه المنصات الرقمية على جذب المستخدم، أصبح الإنسان محاصرًا بكم هائل من المعلومات، لكنه ليس بالضرورة أكثر معرفة، وأصبح قادرًا على الوصول إلى آلاف المصادر، لكنه قد يفقد القدرة على الوصول إلى الحقيقة.
المفارقة أن الإنسان الذي امتلك العالم بضغطة زر، أصبح أحيانًا عاجزًا عن امتلاك لحظة من التركيز.
لقد تغيرت طبيعة التأثير في المجتمعات؛ فلم يعد الأمر مقتصرًا على من يمتلك وسائل الإعلام، بل أصبح مرتبطًا بمن يستطيع توجيه اهتمام الجمهور، وتحديد ما يشاهده، وما يتفاعل معه، وما يغضب بسببه، وما يصدقه دون أن يتحقق منه.
وهنا تظهر خطورة الخوارزميات، التي لا تكتفي بعرض المحتوى، بل تسهم في ترتيب ما يصل إلينا، وفق أنماط التفاعل والاهتمامات والسلوك الرقمي. ومع تكرار الرسائل المتشابهة، قد يجد الإنسان نفسه داخل دائرة مغلقة، يسمع فيها ما يؤكد قناعاته، ويبتعد تدريجيًا عن الآراء المختلفة.
المشكلة لم تعد في نقص المعلومات، بل في القدرة على فرزها وفهمها.
ومن أخطر مظاهر هذه المرحلة أن الخبر أصبح ينافس الشائعة، والحقيقة تنافس الإثارة، والتحليل العميق ينافس مقطعًا قصيرًا لا يتجاوز ثواني معدودة. وأحيانًا يحصل المحتوى الأكثر إثارة على انتشار أوسع من المحتوى الأكثر قيمة، فتتحول سرعة النشر إلى معيار زائف للأهمية، ويصبح السبق في الوصول أهم لدى البعض من الدقة في نقل الحقيقة.
وهنا لا يمكن إعفاء الإعلام من مسؤوليته؛ فالإعلام الحقيقي ليس مجرد ناقل للأحداث، ولا منصة لمطاردة المشاهدات، بل مؤسسة وعي، ومصدر للمعرفة، وحائط صد أمام التضليل والتزييف.
إننا بحاجة إلى استعادة قيمة الكلمة المسؤولة، وإعادة الاعتبار للصحافة المهنية التي تتحقق قبل أن تنشر، وتفسر قبل أن تحكم، وتضع مصلحة المجتمع وحق الجمهور في المعرفة فوق اعتبارات الانتشار السريع.
كما أن الأسرة والمدرسة والجامعة مطالبة جميعًا بتأسيس جيل لا يكتفي باستخدام التكنولوجيا، بل يفهم آلياتها، ويمتلك مهارات التفكير النقدي، ويعرف كيف يسأل عن مصدر المعلومة، ولماذا نُشرت، وما الهدف من تداولها.
فالتعليم في العصر الرقمي لم يعد مجرد تحصيل للمعلومات، وإنما أصبح تدريبًا للعقل على التفكير والاختيار والتمييز.
إن أخطر أشكال السيطرة ليست أن تمنع الإنسان من التفكير، بل أن تشغله طوال الوقت حتى لا يجد فرصة للتفكير.
ولذلك فإن معركة المستقبل لن تكون فقط بين من يمتلك التكنولوجيا ومن لا يمتلكها، بل بين من يستخدم التكنولوجيا لصناعة المعرفة، ومن يسمح لها بأن تصنع وعيه نيابة عنه.
نحن لا نحتاج إلى مزيد من الشاشات بقدر ما نحتاج إلى عقول أكثر وعيًا، ولا نحتاج إلى مزيد من الضجيج الإعلامي بقدر ما نحتاج إلى صوت صادق، ولا نحتاج إلى آلاف المعلومات بقدر ما نحتاج إلى القدرة على الوصول إلى الحقيقة.
ففي النهاية، قد يخسر الإنسان هاتفه فيستطيع شراء غيره، وقد يخسر أمواله فيستطيع تعويضها، لكن عندما يفقد استقلال عقله، يصبح استرداد وعيه هو المعركة الأصعب.
إن حماية العقول لم تعد رفاهية ثقافية، بل أصبحت قضية أمن مجتمعي، ومسؤولية إعلامية، وضرورة وطنية.
والسؤال الذي يجب أن نطرحه جميعًا ليس: كم ساعة نقضي أمام الشاشات؟ بل: من الذي يحدد لنا ما نفكر فيه؟
لأن من يمتلك انتباه الإنسان، يقترب كثيرًا من امتلاك قراره.

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا