استلاب العقل وتغييب الإرادة: في زيف التقديس المعاصر وتعطيل الوعي الإنساني
بقلم/ الكاتب والباحث في الشأن السياسي والإجتماعي
الشيخ عدنان صگر الخليفة
رئيس إتحاد القبائل العراقية
إن أعمق الأسئلة الوجودية التي شغلت الفكر البشري عبر التاريخ تتعلق بأصل خلق الإنسان، وماهية وجوده، والغاية التي من أجلها وُجد. فالله سبحانه وتعالى لم يخلق الإنسان عبثاً ولا صدفة، بل جعله خليفة في الأرض، وزوده بأعظم أدوات المعرفة والإدراك: "العقل والوعي". العقل هو المصباح الذي يضيء طريق الإنسان ويميز به بين الحق والباطل، وهو مناط التكليف والمسؤولية الأخلاقية والدينية؛ فبانتفائه يسقط التكليف، وبه تستقيم أمانة الاستخلاف. يقول الله تعالى في محكم كتابه: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: 24].
ولكن، عندما ننتقل من مثاليات الوجود إلى واقعنا الإنساني، ولا سيما في واقعنا العربي والإسلامي وتحديداً في المشهد العراقي المعاصر، نصطدم بالمأساة الكبرى المتمثلة في التغييب الذاتي للإرادة والعقل. فالإنسان لا يُسلب عقله قهراً في كثير من الأحيان، بل يختار بمحض إرادته، وبسبب استسهال عبء التفكير والحرية، أن يتنازل عن وعيه، ليقدم عقله قرباناً على عتبات الراحة الوهمية والتبعية العمياء، مصداقاً لقوله تعالى في وصف من ألغوا عقولهم: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 171].
وفي هذا السياق، تبرز المقولة والمأثور الشعبي المخرب الذي يكرس هذا الاستلاب: "ضعها برقبة عالم واخرج منها سالماً". هذه المقولة ليست مجرد تعبير عابر، بل هي دستور اجتماعي مدمر لتدمير الشخصية المستقلة، وإعفاء الفرد من مشقة البحث عن الحقيقة والاستنباط والتدبر. يتحول الإنسان بموجبها إلى عنصر داخل "قطيع" يسير في مسار مرسوم، يطيع بلا مناقشة ويتبع بلا وعي، متخلياً عن أمانة العقل التي سيُسأل عنها فرداً يوم القيامة، كما يوضح النص الإلهي: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً﴾ [مريم: 95].
والمفارقة المؤلمة والساطعة التي تكشف زيف هذا التغييب تكمن في أن ذات الكتب والمصادر الفقهية والمرجعية التي يقدسها الناس وتأمرهم بالاتباع الأعمى، تنص صراحة في أبسط أحكام العبادات على الاحتكام المباشر إلى العقل والتمييز؛ ففي أحكام الشك في الصلاة، توجّه الكتب الدينية الفرد قائلةً بأن عليه العودة إلى عقله وتقدير نسبة الشك وظنه، فإن كان الشك أكثر من النصف أخذ به وإن كان أقل بنى على الأتم، أي أنها تطالب الإنسان باستخدام وعيه وتمييزه العددي والعقلي في أبسط العبادات. ومع ذلك، فإن ذات الفرد الذي يحكم عقله في ركعات صلاته، يعطل عقله كلياً وينهيه تماماً حين يتعلق الأمر بمصيره السياسي، أو تبعيته للأجندات، أو انقياده للزعيم، رافضاً حتى مجرد السؤال أو المناقشة، ومتخندقاً خلف وهم "أن هذا لا يجوز مسه أو التفكر فيه"، مخالفاً بذلك مراد الخالق الذي خاطب العقول بقوله: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يونس: 24].
بل إن أبعاد هذه الحرية الفكرية والحوار المعرفي ترتقي في المنظومة الإيمانية نفسها لتبلغ خطابه جل جلاله؛ فحين يتأمل المرء ما رُوي في الأدعية المأثورة —كدعاء كميل المنسوب لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام— يجد تشبيهاً بليغاً واستدلالاً عادلاً يخاطب فيه العبد ربه بموجب ما كتبه الله على نفسه من الرحمة والجود: "ليت شعري يا سيدي وإلهي ومولاي، أتسلط النار على وجوه خرت لعظمتك ساجدة... ومواقف اعترفت بإلهيتك محققة، وبضمائر احتوشت من العلم بك حتى صارت خاشعة... ما هكذا الظن بك، ولا أخبرنا بفضلك عنك". إن هذا التشبيه البليغ يوضح كيف يقف الإنسان بوعي واستدراك معرفي يناقش في رحاب الخالق ما كتبه على ذاته العلية، مستنداً إلى قوله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: 54]. فكيف لإنسان يمتلك هذا الأفق الواسع في مخاطبة ربه والاحتجاج برحمته وعفوه، أن يستقيل من وعيه ومسؤوليته أمام تشريعات اجتهادية كُتبت بأقلام بشرية، أو سياسات قبلية وحزبية، أو منظومات مجتمعية جعل منها قالباً صنمياً لا يجوز نقاشه أو اختراقه؟
هذا الاستلاب لم يقف عند حدود التقليد الفردي، بل تحول إلى حالة تشبه "الجاهلية المعاصرة". تماماً كما كان الإنسان في الجاهلية ينحت صنمه بيديه من الحجارة أو الطين، ثم يسبغ عليه صفة الألوهية ويشرع لنفسه قوانينه ويصدق أسطورته، فإن الإنسان قد نحت بيده أصناماً معاصرة؛ أكانت زعامات سياسية، أو منظومات حزبية، أو تشكيلات مذهبية واجتماعية، أو أعرافاً بالية.
لقد تضافرت المنظومات كلها —الاجتماعية، العرفية، الدينية، والسياسية— لتضع نفسها موضع "الإله المقدس" الذي لا يُناقش ولا يُعترض عليه، في غفلة تامة عن قول إبراهيم عليه السلام لقومه: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: 95-96]. بل إن الكارثة الأعمق تكمن في أن الإنسان يعلم في قرارة نفسه بوجود الخلل والاعوجاج في هذه المنقولات أو التراثيات أو البرامج المفروضة، ومع ذلك يمتنع عن تصحيحها، موهماً نفسه بالقول: "لا يجوز لي الاعتراض أو التعديل، وكأن الله أوجد هذا الاعوجاج ولا يصح لنا مسّه". وهذا تناقض صارخ مع قوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل: 118]، إذ إن الإنسان هو من ظلم عقله واختار إعفاءه من مهمته، متناسياً أن هذا الصنيع المعوج هو من صنع بشر أرادوا تحييد العقول وإخضاع الناس لسيطرتهم.
وهنا تقع المسؤولية الكبرى التي لا تحاسب الرعية وحدها عليها، بل تطال من يقودون هذه المنظومات؛ فالقادة والمرجعيات وصانعو القرار يدركون تماماً أن الأتباع قد عطلوا عقولهم واستقالوا عن وعيهم، ومع ذلك يستغلون هذا التغييب المنهجي لترسيخ مصالحهم وتمرير أجنداتهم، متجاهلين أنهم يحملون وزر تعطيل أداة التكليف الإلهي في وجدان شعوبهم، بينما تكرر كتبهم وخطاباتهم نظرياً الحقيقة الإلهية الخالدة التي تحذر من عواقب تعطيل الوعي، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ [الأحزاب: 67].
إن التحرر الحقيقي، وبناء المناعة المجتمعية والسياسية، لا يبدأان إلا حين يكسر الإنسان هذا الطوق الوهمي، ويستعيد حريته في التفكر والتمييز والرفض الواعي لكل استلاب بشري، مدركاً أن العقل هو الأمانة الكبرى التي لا يجوز تفويضها لأحد كائناً من كان.
التعليقات الأخيرة