news-details
مقالات

حين يغيب الحياء الثقافي: كيف قاد المنتفعون المنظر المسرحي للطفل إلى هاوية الانحطاط؟

 


بقلم :  محمد جمال الدين 

ما كنت أود البتة أن أتحدث في هذا التوقيت، الذي تمر فيه مصرنا الحبيبة على المستوى الثقافي والفني بحالة من التراشق والتدني والإنحطاط وإختلاط الحابل بالنابل، وتكالب السعاة على حطام المناصب والمكاسب، غير أن السيل قد بلغ الزبى، وضرب الطوفان أطناب الوعي، وأصبح السكوت على هذا البوار الفكري والأخلاقي مشاركة صريحة في الجريمة، وتواطؤاً مفضوحاً مع خفافيش الظلام، الذين يعبثون بمقدرات الجمال والوجدان. 
إن المشهد الثقافي والفني اليوم لا يمر بمجرد أزمة عابرة أو كبوة طارئة، بل يشهد زلزالاً بنيوياً هادماً طال جذور المؤسسة الإبداعية، وصار التغاضي عن الخبث والخبيث خيانة عظمى لرسالة الفن وضمير الأمة. 
وحين تتحول منصات التتويج ومقاعد الفصل والتقييم إلى تكايا تقتسمها الشلل، وتتقاسم غنائمها روابط المصلحة والمنفعة الضيقة، وتطرد الكفاءات الحقيقية إلى منافي الإقصاء المتعمد، فحينئذ يصبح لزاماً على كل قلم حر، وضمير حي، وباحث غيور، أن ينتفض لقول كلمة الحق عارية مدوية، بلا مداراة ولا مداهنة، لتعرية هذا العبث الممنهج الذي يلتهم الأخضر واليابس في بنية الثقافة المصرية، ويضع المعايير القيمية والجمالية على محك الإنحدار والسقوط المريع.
لقد آلت معايير تشكيل لجان التحكيم في المهرجانات المسرحية بشكل عام وفي قطاعات حساسة بشكل خاص إلى مسار كارثي يتنافى مع أبسط قواعد العقل والمنطق والأعراف الأكاديمية والمؤسسية. 
ولم تعد المنهجية العلمية، ولا السيرة الذاتية الناصعة، ولا الخبرة الميدانية التراكمية، ولا المعايير الموضوعية الشفافة هي الفيصل في اختيار من يعتلي منصة الحكم على عرق المبدعين وتعبهم، بل غدا الإنتماء لشبكات الشللية والمحسوبية والمجاملات الشخصية هو المعيار الأوحد والمسار الأوحد للقبول والتمكين.
وأصبحت تشكيلات اللجان تفصل على مقاس الأحباب والأصحاب، وتدار بفقه المصالح المتبادلة والعلاقات الزبائنية، متجاهلة تماماً ميزان الكفاءة والنزاهة، والأدهى والأمر أن معيار الإختيار انحدر إلى أدنى درجاته ليصبح التملق هو الجواز المرور، فصارت لجان التحكيم تفرخ وترحب بالمحسوبين، والشلليين، والمنبطحين، ومعدومي المؤهلات والمواهب، وأصحاب حاضر ونعم وسمعا وطاعة، فضلاً عن اللصوص، ليتحول التحكيم المسرحي من رسالة نقدية تقويمية راقية إلى مجرد صفقات متبادلة، ومجاملات مغرضة، وعطايا توزع على غير أهلها، مما أدى بطبيعة الحال إلى اغتيال الروح النقدية الحقيقية، وإشاعة اليأس والإحباط في نفوس المبدعين الحقيقيين الذين يرفضون الإنحناء لعواصف الإبتذال.
وإذا كان العبث في المهرجانات العامة وباء ينذر بالخراب، فإن الكارثة الكبرى والبلية العظمى تكمن في تسلل هذا الوباء وتفشيه داخل المهرجانات الخاصة بالمسرح المدرسي ومسرح الطفل، إذ إن خطورة هذا القطاع تحديداً تكمن في كونه الحصن الأول لبناء وجدان النشء، واللبنة الأساسية لتشكيل عقول الأجيال القادمة التي تتلقى أولى درجات التذوق الفني والجمالي.
إن الطفل كصفحة بيضاء، يتشرب القيم والمفاهيم والأخلاق من خلال ما يقدم له على خشبة المسرح المدرسي، وعليه فإن تشكيل لجان تحكيم هذا القطاع الحساس يجب أن يخضع لأقصى درجات المعايير الصارمة، ممثلة في الشفافية المطلقة، والسيرة الذاتية المشرفة، والخبرات التراكمية، والتجربة الحية والعميقة في مضمار أدب ومسرح الطفل. 
غير أن الواقع المرير يصدمنا باختيار أسماء لا علاقة لها لا من قريب ولا من بعيد بالطفل ولا بفلسفة مسرح الطفل أو المسرح المدرسي، بل إن الطامة الكبرى تكمن في اختيار معدومي المؤهلات العلمية، وممن أثبتوا فشلاً ذريعاً ومريعاً في هذا المضمار طوال مسيرتهم المهنية الهزيلة، بل لم يقف الحد عند هذا الفشل والإقصاء؟، فليت الأمر اقتصر على ذلك!، بل بلغ الإنحدار مداه الأبعد حين تجد في لجان التحكيم من أدين بحكم قضائي نهائي في قضية سرقة حق ملكية فكرية!. 
وهنا يقف العقل البشري مذهولاً أمام هذا الإسفاف المبدئي والأخلاقي، إذ كيف يعقل أن يؤتمن على تقييم إبداعات الأجيال وعقول الأطفال من ثبت فشله في هذا المضمار طوال سنوات عمله في هذا المضمار، ومن ثبت عدم إمتلاكه للأمانة الفكرية؟ ومن ثبت عدم صلته بالطفل وفنونه، أليس هذا كاف قانوناً وعرفاً وأخلاقاً لمنع هؤلاء تماماً من المشاركة في أي لجان تحكيم، أو تقلد أي مناصب، أو الإقتراب من المؤسسات التربوية والثقافية؟.  
إن وجود مثل هؤلاء في لجان تحكيم مسرح الطفل أو المسرح المدرسي هو جريمة موثقة في حق الطفولة، واغتيال واع وممنهج لمستقبل وعي أطفالنا، وهدم متعمد لأبسط قواعد الشرف والأمانة التي ينبغي أن تُغرس في نفوس النشء.
وفي خضم هذا المشهد العبثي المليء بالتناقضات، يبرز جرح عميق يتمثل في التجاهل المنهجي والمتعمد للقامات الكبيرة وأصحاب الخبرات الحقيقية ممن أفنوا زهرة أعمارهم في خدمة مجال مسرح الطفل والمسرح المدرسي، أولئك الذين تسبقهم سيرتهم العطرة وإنجازاتهم المشرقة في كل ميدان، وبدلاً من تكريم هذه الهامات العلمية والفنية والإستعانة بخبراتهم ورؤيتهم الرشيدة لتوجيه الدفة نحو بر الأمان، يتم تهميشهم وإقصاؤهم عمداً لكي تخلوا الأجواء لأصحاب المصالح والمنتفعين. 
وحين يرى أصحاب الخبرات الحقيقية، والأساتذة الأجلاء، والمبدعون المخلصون، هؤلاء الدخلاء والفشلة والمحكومين في قضايا مخلة بالأمانة يتصدرون المشهد، ويتحكمون في مصير الفن والمسرح، ويهيمنون على كل مفاصل القرار، فإن ذلك يخلق حالة من الغثيان الثقافي والأسي العميق على وطن يدار بمنهجية إقصاء الشرفاء وتمكين الأدعياء، وهو ما يمثل إهانة بالغة للتاريخ والثقافة والجهود المخلصة التي بذلت على مدار عقود طويلة لبناء صرح المسرح المدرسي المصري.
إن هذا الوضع الشاذ والمأساوي لا يقف أثره عند حدود الخشبة المسرحية، أو تقارير لجان التحكيم المزيفة، بل يمتد بضرورة الحتمية ليلقي بظلاله الداكنة والمدمرة على بنية المجتمع والثقافة والطفل والوطن بأسره، فعلى مستوى الطفل يصاب النشء بحالة من التشوه الوجداني والجمالي، حيث يحتفى بالأعمال الركيكة المسلوقة والمصنوعة بلا روح، بينما تحارب الأعمال الجادة التي تحترم عقول الأطفال وأرواحهم، مما يفرخ أجيالاً تفتقر إلى الذائقة السليمة والقدرة على النقد والتميز.
على مستوى مسرح الطفل والمسرح المدرسي، يتحول المسرح من أداة تربوية تنويرية كبرى تصقل الشخصية وتبني الوعي وتواجه التطرف، إلى مجرد نشاط روتيني باهت ومفرغ من مضمونه، يدار بالعشوائية والمجاملات، وتهدر فيه ميزانيات الدولة دون طائل سوى ملء التقارير الشكلية، أما على مستوى الثقافة والمجتمع، فيسود الإحباط وتسحق الجدارة، وينتشر مناخ من الرياء والنفاق الفكري، حين يرى الجيل الصاعد أن طريق الوصول والنجاح لا يمر عبر الكفاءة والأمانة والإبداع، بل عبر الإنبطاح والتملق والسطوة والتعدي على حقوق الآخرين، وهذا بدوره يهدد الأمن الثقافي القومي للبلاد، ويهدم حائط الصد الأخلاقي في مواجهة موجات الانحطاط الفكري.
والسؤال الذي يفرض نفسه بمرارة وألم بالغين على كل شريف في هذا الوطن، متى يتم التخلص من هذه الكوارث والأورام التي تشوه وجه الثقافة المصرية؟، متى تشرق شمس المعايير العادلة والشفافية الحقيقية لتعيد الأمور إلى نصابها الصحيح، ويقصى الدخلاء واللصوص ومنعدمو الموهبة عن صدور المشهد؟ 
إن الإصلاح المنشود لن يتحقق إلا بكنس هذا الركام وإرساء قواعد صارمة تحاسب المفسدين، وتعتمد الكفاءة وحدها معياراً للتمكين، وتطرد من الساحة كل من ثبت تورطه في إفساد الذوق العام أو الإخلال بشرف الأمانة والملكية الفكرية.
في النهاية وحيال هذا المستنقع العبثي الذي يغرق فيه البعض بحثاً عن فتات مكسب زائل أو منصب زائف، فإن الحمد لله رب العالمين، الواحد الأحد، أن المرء غير مشارك في هذا العبث، ولم تتلوث يداه ولا قلمه بهذه الخطايا، فالتاريخ لا يرحم، ولن يغفر لمن أساؤوا إلى أجيال المستقبل وعبثوا بضمير الأمة. 
إن صفحات التاريخ الأبيض والأسود لا تضل ولا تنسى، وستشهد حتماً وبكل تجرد أن هذه المرحلة كانت من أسوأ المراحل التي مرت بالثقافة والفن، وستحفر أسماء كل من أفسد في الأرض وشارك في هذا العبث بمداد من العار والندم، بينما تبقى الكلمات الصادقة والمواقف الشريفة وحدها هي التي تقاوم رياح الزيف، وتنتظر فجر الخلاص القريب.

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا