news-details
مقالات

حقوق الجيرة.... وعقوق الجيرة

 


عادل محمود

الحياة في مجتمعاتنا الشرقية لم تكن يوماً مجرد جدران متلاصقة تقسمها حوائط الاسمنت، بل هي نسيج إنساني متكامل، ورباط وثيق يجمع القلوب قبل الأبواب. 

و"الجار" في ثقافتنا ليس مجرد عابر سبيل أو ساكن في الشقة المجاورة، بل هو السند والأمان، والوجه الآخر للعائلة.

 غير أننا نشهد اليوم في زحام الحياة المعقدة تحولات متسارعة، جعلت البعض ينسى تلك الميثاق الأخلاقي والإنساني العظيم.

 لنتأرجح بين صور مضيئة لحقوق الجيرة التي تحفظ الود، وصور مؤلمة لعقوق الجيرة الذي يمزق روابط التكافل الاجتماعي.

لقد حثت الأديان السماوية، ووصت الشرائع، وضربت تراثنا الأصيل أروع الأمثلة في حقوق الجيرة، حتى كاد الجار يورث من شدة التوصية.

 وحق الجار لا يقتصر فقط على كف الأذى، بل يتعداه إلى صناعة المعروف وبث الطمأنينة.

 فالجار الحقيقي هو الذي يستر عورات البيت المجاور، ويحفظ أسراره، وكأن ما يدور في خفايا الدار الأخرى وديعة مقدسة لا تقبل العبث أو النميمة.

 التراحم الفعلي في المناسبات، والوقفة الصادقة عند الشدائد والمرض والمحن؛ فتلك اللحظات هي الميزان الحقيقي لصدق الأخوة الإنسانية.

أن يأمن الإنسان صخب جاره وإزعاجه، وألا تكون جدران المنازل منافذاً للفضول أو التعدي على الخصوصيات.

في المقابل، يبرز "عقوق الجيرة" كأحد أقسى الوجوه التي تفرزها الأنانية وغياب الوعي المجتمعي. 

وحين يغيب الوعي بقدسية الجار، تتحول السكنية إلى جحيم لا يطاق.

إيذاء الجار قولاً وفعلاً بدءاً من رفع أصوات الموسيقى المزعجة وإشغال المداخل، مروراً بالفضول المستمر والتدخل في التفاصيل الصغيرة، وصولاً إلى الإساءة المباشرة وتتبع العثرات.

ألا يسأل الجار عن جاره إن غاب، ولا يعوده إن مرض، وكأن الموت والظروف لا تعنيه، فيتلاشى مفهوم "الجار قبل الدار" ليحل محله الغريب الحاضر الغائب.

 تحويل المجالس واللقاءات إلى منصات لغيبة الجيران والتقليل من شأنهم، متناسين أن من أهان جاره، كأنما يهدم بيته من أساسه.

إن بناء مجتمع متماسك يبدأ من أصغر خلاياه، وهي "الحارة والشارع والعمارة"

وحين نُحيي ثقافة حقوق الجيرة ونتجاوز عقوقها، فإننا لا نخدم الآخرين فحسب، بل نحمي أنفسنا ونؤمن بيوتنا وأبناءنا في زمن نحن أشد ما نكون فيه بحاجة إلى الدفء الإنساني والتضامن المجتمعي.

فلنعد إلى أصولنا النبيلة، ولنجعل من جوارنا واحة أمان، لا مبعث قلق وشقاء.

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا