مصدر إبتهاج الإنسان وسعادته
مصدر إبتهاج الإنسان وسعادته
بقلم / محمـــد الدكـــروري
الحمد لله استوى على عرشه فوق سبع سموات طباق وجعل الأرض مهدا وأجرى فوقها ماء يراق، أحمده سبحانه وأشكره حث على الألفة والوئام والوفاق، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وعد عباده المؤمنين المتقين جنات بها ثمر حلو المذاق، وتوعد من أعرض عن دينه بعذاب في النار لا يطاق، وأشهد أن نبينا وسيدنا وحبيبنا محمدا عبد الله ورسوله بغض للأمة أمر الطلاق صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أما بعد اعلموا يرحمكم الله أنه لم يكن الماء مجرد شراب للكائنات فقط، بل به نبت كل شيء ومنه الشجر الذي يخرج منه الثمرات والبركات، وقد كان الحسن البصري رحمه الله إذا نظر إلى السحاب، يقول " فيه والله رزقكم ولكنكم تحرمونه بخطاياكم وأعمالكم " اعلموا أن الماء مصدر إبتهاج الإنسان وسعادته، وهو يرى إخضرار الأرض بعد هطول الأمطار.
وغشيان السيول عليها، ويزداد إبتهاجا بالنظر إلى ربيعها وحدائقها الغناء، كما وصفها الله بقوله تعالي " فأنبتنا به حدائق ذات بهجة " بل الأعظم من ذلك والأهم أن الماء من دلائل وجود الله تعالي وشواهده على وحدانية الله تعالى سواء نزوله من السماء أو إختصاصه بأرض دون أرض، ففي ذلك دلائل على وحدانية الله وقدرته، أو خروجه من باطن الأرض بطعم مختلف رغم أنها منطقة واحدة إما عذب فرات أو ملح أجاج، فهذا نعيم الإنسان بالماء في هذه الدنيا أما في الآخرة، فإن المؤمن ينعم به في العرصات وموقف الحساب حين يشتد بالناس الظمأ والعطش، فيكرم الله عز زجل البعض بالورود على حوض الرسول الكريم المصطفي صلوات ربي وسلامه عليه، فيشرب حتى يرتوي ولا يظمأ بعد تلك الشربة أبدا، وتغدو كل شربه بعد ذلك للذة لا من عطش.
ويلازم الماء عباد الله المؤمنين حتى دخول الجنة فيجدون فيها الأنهار والعيون العذبة ذات الحسن والبهاء، حيث يقول رب الأرض والسماء " مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن " وكما قال سبحانه وتعالي " إن المتقين في ظلال وعيون " وقد أخبر الله عز وجل عن بعض أصناف الماء في الجنة فقال تعالي " ويسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا عينا فيها تسمي سلسبيلا " وكما قال تعالي أيضا " عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا " فكان جريان الماء وتدفق الأنهار بالنسبة لهم نعيما آخر ومنظرا ملفتا وجمالا مفضلا لأهل الجنة وهم على أرائكهم متكئون ومتقابلون، حيث قال الله تعالي كما جاء في سورة الزمر " لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية تجري من تحتها " وأما كيف يكون لونا من ألوان العذاب والهلاك.
فهذا حاصل في الدنيا الآخرة، ففي الدنيا يعذب الله به أقواما، فيمسكه عنهم حتى يموتوا ضمأ وجوعا، أو أن الله تعالى يغرق به من شاء من عباده المستكبرين في الأرض المعاندين لدينه وشرعه ورسله، كما أغرق الله قوم نبي الله نوح عليه السلام، فإن للماء قوة إذا تدفق لا يحبسها حابس، ولا يمنعه شيء، ولا يرده عن مجراه راد، حين يتخلى لطف الله تعالي على من عصاه وإستكبر وإتبع هواه، فيقتلع البنيان، ويزلزل الجبال والوديان، وأما في الآخرة، فإن الله قد توعد به أهل الزيغ والإستكبار اللذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار، فإنهم يذادون عن الحوض المورود، فيشتد بهم العطش والظمأ في ذلك اليوم العصيب الملتهب بين حرارة الشمس المحرقة التي دنت على رؤوسهم، ففي الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه.
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " أنا فرطكم على الحوض، ثم قال ليذادن رجال عن حوضي، كما يذاد البعير الضال، فأناديهم ألا هلموا فيقال إنهم قد بدّلوا بعدك، ولم يزالوا يرجعون على أعقابهم، فأقول ألا سحقا، سحقا" ويستمر حالهم كذلك حتى يساقون إلى النار وفيها يشربون الحميم المغلي والمخلوط بعصارة أهل النار وأقذارهم، فيحيط بهم من كل جانب إضافة إلى ما هم فيه من ألوان العذاب الأخرى وصوره، كما قال سبحانه وتعالى " وأما إن كان من المكذبين الضالين فنزل من حميم وتصلية جحيم " وهذا الماء كما يقول أهل التفسير "كالدم والقيح" ولا شك أن المهل يجمع أوصاف الرذيلة كلها، فهو أسود منتن غليظ حار يشوي الكافر حتى يسقط جلد وجهه فيه، كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد في سرادق النار عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال "ماء كالمهل" قال "كعكر الزيت فإذا قربه إليه سقطت فروة وجهه فيه".
التعليقات الأخيرة