دعوة الصين لإنشاء منظمة جديدة نحو حوكمة الذكاء الإصطناعى عالمياً كبديل لهيمنة الغرب وواشنطن
دعوة الصين لإنشاء منظمة جديدة نحو حوكمة الذكاء الإصطناعى عالمياً كبديل لهيمنة الغرب وواشنطن
تحليل الدكتورة/ نادية حلمى
الخبيرة المصرية فى الشئون السياسية الصينية والآسيوية – أستاذ العلوم السياسية جامعة بنى سويف
جاءت دعوة رئيس مجلس الدولة الصينى "لى تشيانغ" أثناء إلقائه خطاباً فى حفل إفتتاح (المؤتمر العالمى للذكاء الإصطناعى) فى شنغهاى، يوم السبت الموافق ٢٦ يوليو ٢٠٢٥، بتقديم مقترح من قبل الحكومة الصينية لإنشاء (منظمة لتعزيز التعاون العالمى من أجل تطوير الذكاء الإصطناعى عالمياً). مع الوضع فى الإعتبار بأن رئيس مجلس الدولة الصينى "لى تشيانغ" لم يذكر الولايات المتحدة الأمريكية بالإسم فى كلمته أمام مؤتمر الذكاء الإصطناعى فى شنغهاى، لكنه حذر من أن "الذكاء الإصطناعى قد يصبح أداة حصرية لعدد قليل من الدول والشركات".
وقد ألقى الوزراء الصينى "لى تشيانغ" الإقتراح فى خطاب ألقاه فى مؤتمر الذكاء الإصطناعى الذى إنطلق فى شنغهاى، بتأكيد من وزارة الخارجية الصينية، بأن "لى تشيانغ" قد أكد على ضرورة تعزيز التنسيق بين الدول لتشكيل إطار حوكمة الذكاء الإصطناعى العالمى وقواعده القائمة على توافق واسع النطاق، مع الحفاظ على تطوير التكنولوجيا وسلامتها. وشدد "لى تشيانغ" على الحاجة إلى الحوكمة وتطوير برمجيات مفتوحة المصدر، مع تقديم الصين رسمياً لمقترح (إنشاء هيئة بقيادة صينية للتعاون الدولى فى مجال الذكاء الإصطناعى)، مع التحذير الصينى الرسمى، من أن تطوير الذكاء الإصطناعى يجب أن يوازن مع المخاطر الأمنية، مع وجود رغبة صينية ملحة للحصول على إجماع عالمى فى هذا الإطار رغم المنافسة التكنولوجية المحتدمة بين بكين وواشنطن. وقد أكد رئيس مجلس الدولة الصينى"لى تشيانغ"، بأن: "المخاطر والتحديات التى يفرضها الذكاء الإصطناعى لفتت الإنتباه على نطاق واسع إلى أن إيجاد توازن بين التطوير والأمن يتطلب مزيداً من الإجماع بشكل عاجل من المجتمع بأسره". حيث أثارت إستخدامات الذكاء الإصطناعى فى جميع المجالات تساؤلات أخلاقية رئيسية، بدءاً من إنتشار المعلومات المضللة وصولاً إلى تأثيره على التوظيف وإحتمال فقدان السيطرة التكنولوجية.
ومن وجهة نظرى التحليلية، فإن تلك الدعوة الصينية لإنشاء منظمة لتعزيز حوكمة الذكاء الإصطناعى عالمياً، تأتى كخطوة تعكس تصاعد أهمية الذكاء الإصطناعى عالمياً مع دعوة الولايات المتحدة الأمريكية قبل مؤتمر شتغهاى بعدة أيام بتعزيز تكنولوجيا الذكاء الإصطناعى فى مستقبل الإقتصاد الأمريكى، وهو ذاته ما أعلنه الرئيس الأمريكى "دونالد ترامب" يوم الأربعاء الموافق ١٦ يوليو ٢٠٢٥، عن حزمة إستثمارات ضخمة تهدف إلى دعم البنية التحتية للطاقة ومراكز البيانات، وذلك خلال مشاركته فى (قمة الطاقة والإبتكار الأولى)، والتى عُقدت فى جامعة كارنيغى ميلون بولاية بنسلفانيا الأمريكية. مع الإعلان الأمريكى عن ضخ كافة الشركات المعنية الأمريكية فى تكنولوجيا الذكاء الإصطناعى بما يقارب حوالى ٩٢ مليار دولار فى مشاريع مراكز البيانات، بما يقدر بـ ٣٦ مليار دولار، ومواقع توليد الطاقة بما يعادل تقريباً ٥٦ مليار دولار. وشارك فى القمة الأمريكية للذكاء الإصطناعى كبار المدراء التنفيذيين فى (بلاك روك وبالانتير وأنتروبيك وإكسون وشيفرون)، مع الإعلان عن أن هذا التمويل الأمريكى لتكنولوجيا الذكاء الإصطناعى سيغطى إنشاء مراكز بيانات جديدة وتوليد الطاقة والبنية التحتية للشبكة والتدريب على الذكاء الإصطناعى وبرامج التدرب.
وفى هذا السياق، فقد طورت الحكومة الصينية (أجندة وطنية لتطوير تكنولوجيا الذكاء الاصطناعى)، وبرزت الصين كإحدى الدول الرائدة عالمياً فى مجال أبحاث وتطوير الذكاء الاصطناعى. وفى عام ٢٠١٦، أصدر الحزب الشيوعى الحاكم فى الصين خطته الخمسية الثالثة عشرة التى تهدف إلى أن تصبح الصين دولة رائدة عالمياً فى مجال الذكاء الاصطناعيى بحلول عام ٢٠٣٠. ولدى الحكومة الشعبية المركزية للحزب الشيوعى الصينى قائمة تسمى "الفرق الوطنية للذكاء الإصطناعى"، والتى تشمل خمس عشرة شركة صينية، أبرزها شركات: (بايدو، تينسنت، مجموعة علي بابا، سينس تايم، وآى فلايتك). ومن المخطط أن تقود كل شركة تطوير قطاع متخصص محدد للذكاء الإصطناعى فى الصين، مثل: (التعرف على الوجوه والبرمجيات، والأجهزة، والتعرف على الكلام). ومؤخراً، أطلقت الصين تطبيق (ديب سيك)، وهو بمثابة تطبيق صينى للذكاء الإصطناعى يتفوق على (تشات جى بى تى)، وأحدث ضجة كبيرة فى أسواق التكنولوجيا العالمية.
وتولي الحكومة الصينية إهتماماً كبيراً للذكاء الاصطناعى، حيث تم إدراجه فى الخطة الإستراتيجية الوطنية منذ عام ٢٠١٦، مع إصدار العديد من السياسات الداعمة لتطويره. فضلاً عن الإستثمارات الضخمة الصينية لتطوير تكنولوجيا الذكاء الإصطناعى، حيث تضخ الحكومة الصينية رؤوس أموال ضخمة فى تطوير نماذج وتطبيقات الذكاء الاصطناعى، بما في ذلك إنشاء صناديق إستثمارية للشركات الناشئة فى هذا المجال. وتعمل الحكومة الصينية على تهيئة البنية التحتية عبر بناء (شبكة حوسبة متكاملة وطنية) لتعزيز قدرات الحوسبة ومعالجة البيانات فى مجال الذكاء الإصطناعى. كما تهدف الصين إلى إستخدام الذكاء الإصطناعى لرفع مستوى الصناعة وتحسين معدلات الإنتاجية والإقتصاد، مع التركيز الصينى على تطوير تطبيقات الذكاء الإصطناعى فى مختلف القطاعات، مثل: (المدن الذكية، والطب، والبحث العلمى). فى الوقت الذى تطور فيه بعض الشركات الصينية نماذج ذكاء إصطناعى مفتوحة المصدر، مثل شركة (ديب سيك) الصينية مما يساهم فى تعزيز الإبتكار فى هذا المجال.
DeepSeek
وتسعى الصين إلى تعزيز التعاون الدولي فى مجال الذكاء الإصطناعى، من خلال مشاركة خبراتها ومنتجاتها التكنولوجية مع الدول الأخرى، خاصةً لدعم أجندتها فى النهوض بالجنوب العالمى النامى فى مواجهة سياسات الهيمنة التكنولوجية الأمريكية والغربية.
ومن أجل منافسة الصين فى مجال الذكاء الإصطناعى، فقد أطلق "ترامب" فى شهر يناير ٢٠٢٥، مشروع "ستارغيت" بإستثمارات تقدر بـ ٥٠٠ مليار دولار، لمدة أربع سنوات فى مراكز للبيانات فى الولايات المتحدة الأمريكية بمشاركة قدرها مئة مليار دولار من "أوبن إيه آى وسوفت بنك اليابانية وشركة أوراكل الأمريكية". كما ألغى "ترامب" سياسات إعتمدتها إدارة الرئيس السابق "جو بايدن" وفرضت عبرها قيوداً على تطوير خوارزميات الذكاء الإصطناعر القوية كما قيّدت صادرات التكنولوجيا المتقدمة إلى بعض الدول الحليفة. ومن المتوقع أن يعرض "ترامب" كذلك عن خطته لمواكبة تطوير الذكاء الإصطناعى فى مواجهة التفوق الصينى على تكتيكات تكنولوجيا الذكاء الإصطناعى الأمريكية.
ومن أجل ذلك، نلاحظ بأنه رغم تلك الدعوة الصينية لإنشاء منظمة جديدة لتعزيز الحوكمة فى مجال الذكاء الإصطناعى، إلا أن الولايات المتحدة الأمريكية قد رفضت أى مقترح صينى فى هذا الإطار، بسبب القيود السابقة التى فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية على تصدير التكنولوجيا المتقدمة إلى الصين، بما يشمل أحدث رقائق الذكاء الإصطناعى التي تصنعها شركات، مثل: (إنفيديا ومعدات تصنيع الرقائق)، وذلك إستناداً إلى مخاوف من أن هذه التكنولوجيا قد تعزز من القدرات العسكرية للصين. ولكن رغم كل هذه القيود، واصلت الصين تحقيق إنجازات فى مجال الذكاء الإصطناعى مما أدى لطلب المسؤولين الأمريكيين بإجراء تدقيق إزاء معدات وآلات تطوير تكنولوجيا الذكاء الإصطناعى الصينية. ومن أجل ذلك، تضخ صناديق الإستثمار فى الذكاء الإصطناعى الصينية والتى تقودها الدولة الصينية رأس المال ضخم لتطوير نماذج وتطبيقات الذكاء الإصطناعى، بما فى ذلك (صندوق ذكاء إصطناعى) بقيمة ٨.٢ مليار دولار للشركات الناشئة. وهنا تتبنى الصين (شبكة حوسبة متكاملة وطنية) لتجميع موارد الحوسبة عبر مراكز البيانات العامة والخاصة.
ومن خلال التحليل السابق، نجد بأن صناعة الذكاء الإصطناعى فى الصين صناعة ذات إستثمارات ضخمة تتعدى المليارات وتتطور بشكل هائل وغير مسبوق، خاصةً منذ جذور تطوير الذكاء الإصطناعى فى الصين في أواخر السبعينيات فى أعقاب سياسة الإصلاحات الإقتصادية التى قام بها الرئيس الصينى الأسبق "دينغ شياو بينغ"، والتى تؤكد على دور العلم والتكنولوجيا كقوة إنتاجية أساسية داخل الصين.
التعليقات الأخيرة