دور الضابط الأمريكى "كارلسون" من سلاح البحرية الأمريكية فى قيادة تكتيكات"حرب العصابات" مع جيش الطريق الثامن التابع للحزب الشيوعي الصيني بقيادة "ماو تسي تونغ" لمقاومة الفاشية العسكرية لليابان خلال فترة الحرب العالمية الثانية
دور الضابط الأمريكى "كارلسون" من سلاح البحرية الأمريكية فى قيادة تكتيكات"حرب العصابات" مع جيش الطريق الثامن التابع للحزب الشيوعي الصيني بقيادة "ماو تسي تونغ" لمقاومة الفاشية العسكرية لليابان خلال فترة الحرب العالمية الثانية
تحليل الدكتورة/ نادية حلمى
الخبيرة المصرية فى الشئون السياسية الصينية والآسيوية – أستاذ العلوم السياسية جامعة بنى سويف
جاءت دعوتى رسمياً لعمل لقاء مع قناة شينخوا الصينية الرسمية وعلى الموقع الرسمى لهم، للحديث عن الإنتصار الصينى على الفاشية العسكرية لليابان خلال فترة الحرب العالمية الثانية، وذلك بمناسبة الذكرى السنوية الثمانين للإنتصار الصينى على العدوان اليابانى على الصين، ولعل أبرز ما أثار إندهاشى كخبيرة مصرية متخصصة فى الشأن السياسى الصينى وسياسات الحزب الشيوعى الحاكم فى الصين، هو طلب الصينيين منى أن أبرز وأخصص جزءاً كبيراً من حديثى مع الوكالة الصينية للأخبار "شينخوا" للحديث عن دور ضابط البحرية الأمريكى "إيفانز فورديس كارلسون"، العميد في مشاة البحرية الأمريكية، فى تحقيق الإنتصار الصينى على الفاشية العسكرية لليابان تحت قيادة قوات جيش الطريق الثامن التابع للحزب الشيوعى الحاكم فى الصين وقيادة تكتيكات حرب العصابات على القوات اليابانية. وكان ذلك الأمر أكثر ما أثار إنتباهى هذا العام، حول إحتفاء الصينيين بكافة الشخصيات الأجنبية وعلى رأسها الأمريكية التى شاركت جنباً إلى جنب مع الصينيين لتحقيق الإنتصار الصينى فى نهاية المطاف على الفاشية العسكرية لليابان وقيادة تكتيكات وأسلوب حرب العصابات لوقف تقدم القوات اليابانية على البر الرئيسى للصين.
مع الوضع فى الإعتبار، بأن قوات جيش الطريق الثامن التابع للحزب الشيوعى الصينى قد خاضت أساليب وتكتيكات متقدمة من حرب العصابات فى مواجهة القوات اليابانية وذلك خلال الحرب الصينية اليابانية الثانية، التي كانت جزءاً من الحرب العالمية الثانية، حيث إستخدم الحزب الشيوعي الصيني تكتيك "حرب العصابات" بفعالية ضد اليابانيين، وخاصة في شمال الصين. ركزت هذه الإستراتيجية الصينية، بقيادة "ماو تسي تونغ"، على الإستفادة من دعم سكان الريف واستخدام تكتيكات الكر والفر لمضايقة القوات اليابانية. وبينما قاتل حزب الكومينتانغ القومي أيضاً ضد اليابان، المعروف إختصاراً بإسم
(KMT)
إلا أن قواته ضعفت بسبب الحرب، وأثبتت تكتيكات حرب العصابات التي أتبعها الحزب الشيوعي الصيني نجاحاً أكبر في كسب الدعم الشعبي والسيطرة الإقليمية. وتركزت إستراتيجية الحزب الشيوعي الصيني لحرب العصابات لمقاومة العدوان الفاشى لليابان، على الآتى:
التركيز على دعم سكان الريف فى هجوم حرب العصابات الخاطف على قوات اليابان: فلقد ركزت حرب العصابات التي اتبعها الحزب الشيوعي الصيني على الاستفادة من دعم سكان الريف، وضرب القوات اليابانية في هجمات كر وفر، والإختفاء عند مواجهة قوات متفرقة.
إستهداف قوات الحزب الشيوعى الصينى لنقاط الضعف اليابانية: حيث إستهدفت قوات الحزب الشيوعي الصيني خطوط الإمداد اليابانية، وشبكات الاتصالات، ونقاط الضعف، بهدف تعطيل العمليات اليابانية وتقويض سيطرتها.
إعتماد الحزب الشيوعى الصينى على كسب الدعم الشعبى الصينى فى مواجهة الفاشية العسكرية للعدوان اليابانى عليهم: حيث سمح نهج الحزب الشيوعي الصيني في الحرب، الذي ركّز على احتياجات السكان المحليين ومخاوفهم، ببناء قاعدة دعم قوية في الريف.
الإقرار بتفوق نهج وتكتيكات جيش الحزب الشيوعى الحاكم فى الصين مقارنة بحزب الكومينتانغ: ففى حين حارب الكومينتانغ اليابانيين أيضاً، أثبتت تكتيكات الحرب التقليدية التي اتبعوها أنها أقل فعالية ضد الجيش الياباني، وكانت أكثر تكلفة من حيث الموارد والقوى العاملة.
أما عن تأثير تكتيكات جيش الحزب الشيوعى الحاكم وحربه للعصابات على الرد اليابانى فى مواجهته ومواجهة الصينيين، فلقد ردّ اليابانيون بحملات وحشية من قبيل "اقتل الجميع، أحرق الجميع، دمر الجميع"، لكن هذه التكتيكات غالبًا ما أتت بنتائج عكسية، مما دفع المزيد من الناس إلى دعم الحزب الشيوعي الصيني. وعلى الجانب الآخر، فتأتى أبرز المكاسب الإقليمية لقوات جيش الحزب الشيوعى الحاكم، فتأتى من خلال بحلول نهاية الحرب، وسّع الحزب الشيوعي الصيني سيطرته الإقليمية بشكل كبير، بينما ضعفت قوات الكومينتانغ وركزت على الدفاع ضد الحزب الشيوعي الصيني.
وفى هذا السياق، نجح ضابط البحرية الأمريكى "إيفانز فورديس كارلسون"، العميد في مشاة البحرية الأمريكية، الذي انخرط بعمق في جيش الطريق الثامن التابع للحزب الشيوعي الصيني كمراقب عسكري بين عامي ١٩٣٧ و١٩٣٨، فى تكتيك حرب العصابات مع جيش الحزب الشيوعى الصينى فى مواجهة العدوان اليابانى خلال فترة الحرب العالمية الثانية ومواجهة تكتيكات الفاشية العسكرية لليابان فى مواجهتهم. وقاد الضابط الأمريكى "إيفانز فورديس كارلسون"، للهجوم الناجح لقوات جيش الطريق الثامن التابع للحزب الشيوعى الصينى على اليابانيين في جزيرة ماكين في المحيط الهادئ.
وكان كارلسون، الذي يحمل اسم فرقة "رايدرز"، القوة الدافعة وراء شهرة الكتيبة وثقافتها الفريدة. بعد فترة خدمته في الجيش خلال الحرب العالمية الأولى برتبة نقيب، وفترة خدمته الفاشلة كبائع، عاد كارلسون إلى الخدمة العسكرية عام ١٩٢٢، هذه المرة كجندي في مشاة البحرية. كان سجل خدمته هادئًا نسبيًا قبل أن ينضم إلى فوج مشاة البحرية الرابع إلى شنغهاي عام ١٩٢٧، حيث عمل ضابط استخبارات بعد أن عُيّن مجددًا برتبة ملازم ثان.
في وقت لاحق من عام ١٩٣٧، عاد كارلسون إلى شنغهاي كمراقب مناوب، وحصل على إذن بالتحرك مع قوات (جيش الطريق الثامن التابع للحزب الشيوعي الصيني)، بقيادة ماو تسي تونغ، والذي اتخذ موقفًا دفاعيًا ضد الجيش الياباني. أثناء سفره مع جيش الطريق الثامن، أُعجب كارلسون بقدرة جنوده على اختراق خطوط العدو وإقامة قواعد في المناطق الوعرة والريفية، وكان متحمسًا لتجربة هذه التكتيكات.
لحسن حظ كارلسون، إحتاج قائد سلاح مشاة البحرية إلى شخص مستعد لإنشاء وحدة كوماندوز جديدة قادرة على مواجهة المناورات اليابانية في المحيط الهادئ. في فبراير من عام ١٩٤٢، حصل كارلسون على إذن لتشكيل فرقة "الغزاة" وتطبيق مبدأه "غونغ هو" (أو "العمل بتناغم"). كان العمل الجماعي القائم على الاحترام المتبادل بين الضباط والجنود، والنقاش المفتوح حول المواضيع الأخلاقية والعسكرية خلال منتديات ليلة الجمعة، والرشاقة البدنية والعقلية العالية، بالإضافة إلى الشخصية والانضباط الذاتي المفروض - بدلاً من مجرد الإنضباط الموجه - من المبادئ الأساسية لقيادة كارلسون. من بين ٣٠٠٠ جندي مشاة بحرية تطوعوا للخدمة مع كارلسون، إختار ١٠٠٠ منهم للتدريب على عمليات حرب عصابات مكثفة وعمليات غير تقليدية في المحيط الهادئ. ورغم أن العديد من ضباط البحرية شككوا في آراء كارلسون المتمردة، فإن الرئيس الأمريكى "فرانكلين روزفلت" (الذي خدم ابنه جيمس روزفلت إلى جانب كارلسون) قدم دعمه للفريق المبتكر.
رغم إحتفاء وسائل الإعلام المحلية بالتجربة الأولى للرايدرز في جزيرة ماكين، إلا أن نتائجها كانت متباينة. فقد أثبتوا كفاءتهم في المعركة (مقتل ٨٣ جندياً يابانياً وخسارة ١٤ من مشاة البحرية)، لكنهم فشلوا في النهاية في تحويل انتباه اليابانيين عن جزر سليمان - أحد الأهداف الرئيسية للمهمة - كما أثار قرار كارلسون بالإستسلام لجندي ياباني (أطلق عليه جندي مشاة بحرية آخر النار قبل تسليمه مذكرة الاستسلام، مما أجبر كل فرد على الاعتماد على نفسه للوصول إلى أماكن آمنة) شكوك زملائه الضباط، وحتى أفراد كتيبته، حول قدرته على العمل والتفكير بوضوح تحت وطأة النيران. لكن القائد لم يكن مستعدًا للتخلي عن كارلسون.
في الرابع من نوفمبر عام ١٩٤٢، حطت ٢٢١ فرقة من الغزاة على شاطئ غوادالكانال. أمر اللواء البحري "ألكسندر فاندغريفت" الغزاة بمهمة إستطلاعية لتحديد مدى انتشار القوات اليابانية شرق مطار هندرسون (قاعدة جوية يابانية استولى عليها الأمريكيون في وقت سابق من ذلك العام) ودعم مشاة البحرية في هندرسون بمنع أي قوات يابانية من التوغل في عمق الأراضي عبر الأدغال الكثيفة. عندما تسلل ١٥٠٠ جندي ياباني من بين القوات الأمريكية، كان لدى الغزاة هدف جديد، يتمثل فى: تطهير مساحة من الأرض - تمتد ١٨ ميلاً من العدو - وهي مهمة شاقة في ظلّ قسوة أوراق الشجر وحرارة الجزيرة القارسة والبعوض - لقطع طريق انسحاب اليابانيين من الساحل.
خلال دورية كارلسون (كما عُرفت مسيرة الكتيبة)، قطع الغزاة أكثر من ١٥٠ ميلاً سيراً على الأقدام على مدى ٢٩ يوماً، مواجهين تجمعات القوات اليابانية، ومصادرين أسلحة ومدفعية العدو على طول الطريق. لكن قسوة المناخ وطبيعة تضاريس الأدغال القاسية كانتا السبب في إرهاق مشاة البحرية. فقد أودت القوباء الحلقية والملاريا وأمراض أخرى بحياة عدد أكبر من الرجال مقارنةً بنيران العدو.
رغم التحديات البيئية، إستخدم الغزاة أساليب حرب العصابات للإشتباك مع الوحدات اليابانية، مما أسفر عن مقتل ٥٠٠ ياباني وخسارة ١٦ رجلاً، وجمع معلومات استخباراتية حيوية في الفترة من ٤ نوفمبر إلى ٤ ديسمبر ١٩٤٢. كان كارلسون فخوراً بكتيبته، وإحتفت الصحف بإنتصارهم فى غوادالكانال، لكن الغزاة لم يعمروا طويلاً. قررت القيادة العليا لسلاح مشاة البحرية أنه على الرغم من أهميتهم، إلا أن القوات الخاصة غير ضرورية في القتال المستمر في المحيط الهادئ. في ١٤ مارس ١٩٤٣، تولى فوج الغزاة البحري الأول قيادة فوج الغزاة البحري الثاني، وبحلول فبراير ١٩٤٤، أصبح فوج الغزاة وحدة مشاة نظامية تابعة لسلاح مشاة البحرية فوج المشاة البحرية الرابع.
ومع ذلك، ظلت تكتيكات كارلسون تحظى بإعجاب القادة العسكريين لفترة طويلة بعد وفاته في عام ١٩٤٧، ولا يزال إرث غزاة المحيط الهادئ قائماً حتى يومنا هذا، فضلاً عن إقرار قوات جيش التحرير الشعبي الصيني حتى يومنا هذا بالدور الكبير الذى لعبه الضابط الأمريكى "كارلسون" من سلاح البحرية الأمريكى مع قوات جيش الطريق الثامن التابع للحزب الشيوعى الصينى وقيادته للإنتصار على اليابان خلال فترة الحرب العالمية الثانية.
التعليقات الأخيرة