يا أيها المدثر قم فأنذ
يا أيها المدثر قم فأنذ
بقلم / محمـــد الدكـــروري
الحمد لله، أعظم للمتقين العاملين أجورهم، وشرح بالهدى والخيرات صدورهم، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وفّق عباده للطاعات وأعان، وأشهد أن نبيّنا محمدا عبد الله ورسوله خير من علَّم أحكام الدين وأبان، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أهل الهدى والإيمان، وعلى التابعين لهم بإيمان وإحسان ما تعاقب الزمان، وسلّم تسليما مزيدا ثم أما بعد، لقد أرسل الله تعالى نبيه محمد صلي الله عليه وسلم بسورة المدثر إلى الإنس والجن، حيث قال صلى الله عليه وسلم " بينما أنا أمشي إذ سمعت صوتا من السماء فرفعت بصري فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض فرعبت منه، فرجعت فقلت زملوني، فأنزل الله تعالى " يا أيها المدثر قم فأنذر " إلى قوله " والرجز فاهجر " فحمي الوحي وتتابع"
وبهذه السورة كان رسولا صلى الله عليه وسلم وقد بعثه الله تعالى بالنذارة عن الشرك، والدعوة إلى التوحيد، فبدأ صلى الله عليه وسلم بالدعوة إلى الله تعالى سرا، فأسلم على يديه السابقون الأولون، وكان أول من أسلم خديجة رضي الله عنها، ثم علي ثم زيد بن حارثة، ثم أبو بكر رضي الله عنهم، ثم دخل الناس في دين الله واحد بعد واحد، حتى فشى الإسلام في مكة، ثم أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يجهر بالدعوة، فدعاهم إلى الله وصعد على الصفا وقال "يا بني فهر، يا بني عدي" لبطون قريش، حتى اجتمعوا، فقال "أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا تخرج عليكم بسفح هذا الوادي أكنتم مصدقي؟" قالوا نعم ما جرّبنا عليك كذبا، قال "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد" وقد ناصبه صناديد قريش ومن معهم العداء، ولكن مع ذلك لم يستطع أحد منهم أن يتهمه بصفة الكذب.
أو صفة غير لائقة، وقد قال الله تعالى " فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون " ولو عرفوا خُلقا ذميما، وقد عاش بينهم أربعين عاما لأراحهم من التنقيب عن خصلة غير حميدة يتهمونه بها أمام الناس، ووجدوا أن كلمة ساحر وكاهن هي أنسب الصفات التي يطلقونها عليه حيث يفرق بدعوته إلى الله بين الأب وابنه، والأخ وأخيه، والزوجة وزوجها، وإتهموه بالجنون لأنه خالف شركهم ودعا إلى عبادة الله وحده، وتابع دعوته إلى الله في المواسم، والأسواق، وخرج إلى الطائف، وأسلم الجن في طريقه عند رجوعه من الطائف، وحصل له من الأذى الكثير فصبر وإحتسب، وبقي في مكة عشر سنين يدعو إلى التوحيد، ثم جاءه جبريل قبل الإسراء، ففرج صدره ثم غسله بماء زمزم، ثم جاء بطست ممتلئ حكمة وإيمانا فأفرغه في صدره، ثم أطبقه.
وذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله أن النبي صلى الله عليه وسلم شق صدره ثلاث مرات، الأولى في بني سعد وهو صغير، والثانية عند البعثة فقال " وثبت شق الصدر أيضا عند البعثة كما أخرجه أبو نعيم في دلائل النبوة، فالأول وقع فيه من الزيادة كما عند مسلم من حديث أنس "فأخرج علقة فقال هذا حظ الشيطان منك" وكان هذا في زمن الطفولية فنشأ على أكمل الأحوال، من العصمة من الشيطان، ثم وقع شق الصدر عند البعث زيادة في إكرامه ليتلقى ما يوحى إليه بقلب قوي في أكمل الأحوال من التطهير، ثم وقع شق الصدر عند العروج إلى السماء ليتأهب للمناجاة، ويحتمل أن تكون الحكمة في هذا الغسل لتقع المبالغة في الإسباغ بحصول المرة الثالثة كما تقرر في شرعه صلى الله عليه وسلم " ثم أسري به إلى بيت المقدس، ثم عرج به إلى السماء إلى مكان يسمع فيه صريف الأقلام.
فوق السماء السابعة، وفرضت عليه الصلوات الخمس، وصلى بالأنبياء ركعتين، ورجع قبل أن يصبح إلى مكة، وصلى في مكة ثلاث سنين، وبعدها أُمر بالهجرة إلى المدينة، فلما استقر بالمدينة أمر ببقية شرائع الإسلام مثل الزكاة، والصيام، والحج، والجهاد، والأذان، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك من شرائع الإسلام، أخذ على هذا عشر سنين وبعدها توفي صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين من ربيع الأول على القول المشهور، في السنة الحادية عشرة من الهجرة، وله من العمر ثلاث وستون سنة، منها أربعون قبل النبوة، وثلاث وعشرون نبيا رسولا، وقد توفي صلى الله عليه وسلم ودينه باقٍ وهذا دينه، لا خير إلا دلّ أمته عليه، ولا شر إلا حذرها منه، وهو خاتم الأنبياء والمرسلين لا نبي بعده، وقد بعثه الله إلى الناس كافة، وافترض الله طاعته على الجن والإنس، فمن أطاعه دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار.
التعليقات الأخيرة