news-details
مقالات

دلالات مواجهة الصين للملحق العسكرى الإسرائيلى فى منتدى شيانغشان الـ ١٢ للحوار الأمنى والدفاعى فى بكين 

دلالات مواجهة الصين للملحق العسكرى الإسرائيلى فى منتدى شيانغشان الـ ١٢ للحوار الأمنى والدفاعى فى بكين 

 
تحليل الدكتورة/ نادية حلمى 
 
الخبيرة المصرية فى الشئون السياسية الصينية وسياسات الحزب الشيوعى الحاكم فى الصين والشئون الآسيوية – أستاذ العلوم السياسية جامعة بنى سويف 
 
  تابعت بعناية كخبيرة مصرية معروفة فى الشأن السياسى الصينى وسياسات الحزب الشيوعى الحاكم فى الصين ما دار على هامش (منتدى شيانغشان للحوار الأمنى والدفاعى فى بكين) بتاريخ ١٨ سبتمبر ٢٠٢٦، بتوبيخ عميد الجامعة الصينية "يان شيوتونغ" للملحق العسكرى الإسرائيلى لدى الصين " إيلاد شوشان"، وإتهامه بأن: "إسرائيل قتلت أكثر من ٧٠ ألف مدنى أعزل فى قطاع غزة". وجاء تداول مقطع الفيديو المشار إليه على نحو كبير عالمياً وفى وسائل الإعلام الإسرائيلية والعالمية، والتى تظهر نقاشاً حاداً بين عميد الجامعة الصينية والملحق العسكرى الإسرائيلى لدى بكين، وذلك على هامش (منتدى شيانغشان للحوار الأمنى والدفاعى فى بكين). حيث وجه خلاله البروفيسور الصينى " يان شيوتونغ" لإنتقادات شديدة للملحق العسكرى الإسرائيلى "إيلاد شوشان" ، متهماً إسرائيل بتسببها فى مقتل أكثر من ٧٠ ألف مدنى فى قطاع غزة. كما خاطب "يان شيوتونغ" الضابط الإسرائيلى "إيلاد شوشان"، قائلاً له: "توجهوا إلى الأمم المتحدة، ووافقوا على حل الدولتين لإقامة دولة فلسطين. إذا لم تتوصلوا إلى إتفاق مع الفلسطينيين، فلن تهزموا الإرهاب أبداً". وأضاف أن "إطلاق النار على النساء والأطفال يفقد إسرائيل أى شرعية على الساحة الدولية". وعندما رد الملحق العسكرى الإسرائيلى" إيلاد شوشان" بالقول بأن "إن إسرائيل تحاول تجنب إيذاء المدنيين"، أجابه " شيوتونغ": "لا أحد يصدق الدعاية الإسرائيلية، بإستثناء قلة من الإسرائيليين". وهنا شبه عميد الجامعة الصينية الموقف بإستخدام لصوص فى بنك للرهائن كدروع بشرية، متسائلاً: "هل ستطلق النار على العملاء والموظفين لتحرير الرهائن؟ بالطبع لا"، وقد بدا الضابط الإسرائيلى محرجاً وعاجزاً أمام حجج البروفيسور الصينى.                   
 
ويُذكر أن منتدى شيانغشان للأمن يقام منذ عام ٢٠٠٦، وتنظمه (أكاديمية العلوم العسكرية لجيش التحرير الشعبى الصينى). ويُخصص هذا الحدث السنوى فى العاصمة الصينية بكين للتعاون الأمنى فى منطقة آسيا والمحيط الهادئ والعالم. وتتمثل المبادئ الرئيسية لهذه المنصة الأمنية المهمة، لتعزيز الحوار بين الجيوش فى المساواة والإنفتاح والتسامح وتبادل الخبرات. مع حرص جيش التحرير الشعبى الصينى لتوجيه عدة رسائل عسكرية لوزارتى الدفاع الإسرائيلية والأمريكية بإستعراض قوة الصين فى الدفاع عن أراضيها وعن البر الرئيسى للصين، من خلال عرض الجيش الصينى لأهم الإنجازات الصينية فى البحوث العسكرية، والتعرف على المعارض التقنية الدفاعية المتقدمة للصين فى معرض بكين الدولى للتقنيات والمعدات ذات الإستخدام المزدوج أى لأغراض (مدنية وعسكرية) فى الوقت ذاته. 
 
ويعد (منتدى شيانغشان للأمن) بمثابة الرد الصيني على منتدى "حوار شانغريلا" السنوى الذي تستضيفه سنغافورة، بمشاركة الآلآف من الشخصيات السياسية والعسكرية والأكاديمية حول العالم. ويأتى هذا الحدث الذىىيستمر ٣ أيام فى وقت تقدّم الصين نفسها كوسيط قادر على لعب دور مهم لحل الأزمات العالمية الأكثر تعقيداً، بما فى ذلك حرب روسيا وأوكرانيا وحرب الإبادة التى تشنها إسرائيل على قطاع غزة.       
 
ومن هنا جاء ربطى أكاديمياً لتلك المواجهة مع البروفيسور الصينى والملحق العسكرى الإسرائيلى متعمداً مع رفع الصين علانيةً لشعار لكافة المشاركين فى (منتدى شيانغشان الـ ١٢ للأمن)، بالتركيز على التصدى لمحاولات بعض القوى الخارجية إثارة الأزمات فى مناطق مختلفة من العالم، مع تشديد الممثلين عن جيش التحرير الشعبى الصينى خلال أعمال المنتدى، بأن "هناك دولاً معينة، مدفوعة بمصالحها الضيقة، تسعى لزرع الفوضى مستخدمة دولاً أخرى كأدوات، وهو ما يتعارض مع مصالح المنطقة وتوجهاتها نحو التنمية السلمية". ومن أجل ذلك، جاء الحرص الصينى على مشاركة دول ذات إقتصاد ناشئ ومتقدم، ودول مشاركة فى صراعات الشرق الأوسط، مثل: (إسرائيل، وإيران، وفلسطين، بالإضافة إلى الهند وباكستان). وإعتبر جيش التحرير الشعبى الصينى، بأن مشاركة هذه الدول معاً "تؤكد قيمة منتدى شيانغشان للأمن". 
 
وكان أكثر ما إستوقفنى تحليلياً هذا العام فى (منتدى شيانغشان الثانى عشر للأمن) هو تنديد وزير الدفاع الصينى "دونغ جون" علانية بمنطق "الهيمنة وأعمال التنمر" في إشارة خفية لأمريكا وإسرائيل. وفى كلمته أمام الحاضرين فى حفل إفتتاح منتدى شيانغشان الثانى عشر للأمن يوم الخميس الموافق ١٨ سبتمبر، حذّر وزير الدفاع الصينى "دونغ جون" من تهديدات وتحديات جديدة تواجه السلام العالمى فى الوقت الحالى، مؤكداً بأنه: "فى حين أن موضوعات العصر كالسلام والتنمية لا تزال ثابتة، فإن غيوم عقلية الحرب الباردة والهيمنة والحمائية لم تنقشع بعد". مضيفاً بأن:"العالم يقف مجدداً اليوم عند مفترق طرق فى مواجهة السلام أو الحرب، الحوار أو المواجهة"، مؤكداً بأن جيش الصين "مستعد للتعاون مع جيوش الدول الأخرى للحفاظ على السلام العالمى، وبأن الذاكرة التاريخية يجب أن تكون بمثابة تحذير دائم لإدراك ومعارضة منطق الهيمنة وأعمال التنمر المتخفية فى شكل جديد". مع إعلان وزير الدفاع الصينى " دونغ جون" رسمياً فى خطابه أمام المجتمع العسكرى الدولى المشارك فى أعمال المنتدى، بأن: "جيش الصين مستعد للتعاون مع جيوش الدول الأخرى للحفاظ على السلام العالمى". 
 
كما تأتى تصريحات وزير الدفاع الصينى" دونغ جون" خلال فعاليات منتدى شيانغشان للأمن بعد أسبوعين فقط من عرض عسكرى صينى ضخم فى ميدان تيانانمين، لإحياء ذكرى إنتصار الصين عام ١٩٤٥ على الغزو اليابانى، وقد شهد العرض كشف الصين عن مجموعة من الأسلحة الجديدة، بما فى ذلك صواريخ باليستية عابرة للقارات متطورة، وطائرات بدون طيار، وتكنولوجيا الليزر. ومن هنا كانت معظم تلك التعليقات الصينية ما هى إلا إشارة خفية من وجهة نظرى التحليلية إلى إسرائيل وحليفتها الأمريكية الوثيق، بإعتبارها المنافس الرئيسى للصين فى السنوات الأخيرة والمهدد للأمن القومى الصينى بأنشطتها وسياساتها وتدخلاتها على الدوام. 
 
  فكان أبرز ما يميز "منتدى شيانغشان الثانى عشر للتعاون الأمنى" هذا العام فى بكين، هو حضور الملحق العسكرى الإسرائيلى وسط حشد عسكرى دولى رفيع المستوى من معظم بلدان العالم، فى ظل الهدف المعلن هذا العام لمنتدى شيانغشان للأمن، وهو (الحوار المتعدد الأطراف الذى يتيح صياغة مبادرات جديدة للحفاظ على الإستقرار العالمى)، مع إدراج الصين على هامش أعمال المنتدى الأمنى لشيانغشان لعدة قضايا حساسة مدرجة على جدول أعمال المنتدى الحالى، مثل: عدم إنتشار الأسلحة النووية، والتى باتت تستوجب نقاشاً عاجلاً. بالإضافة إلى إدراج موضوعات جديدة، مثل: (التطورات الحديثة فى مجالات الذكاء الإصطناعى والتقنيات البيولوجية والفضائية، توسيع نطاق الرقابة على التسلح)، الأمر الذى يجعل من إنعقاد المنتدى فى هذا التوقيت أمراً بالغ الأهمية لدى المجتمع الدولى بأسره.   
 
ومن وجهة نظرى، فإن تلك المواجهة الصينية مع الملحق العسكرى الإسرائيلى ربما كانت متعمدة، ولاسيما فى ظل هذا الحضور القوى لأهم الشخصيات العسكرية فى العالم، والمشاركة فى منتدى شيانغشان الـ ١٢ فى بكين بمشاركة أكثر من ١٠٠ دولة حول العالم بينها روسيا، الذى عقد تحت شعار: "حماية النظام الدولى ودفع التنمية السلمية المشتركة". وبمشاركة وزراء دفاع وقادة للقوات المسلحة ومسؤولون فى منظمات دولية ومراكز بحثية وجامعات، إلى جانب خبراء وعلماء، حيث قاموا بمناقشة أبرز قضايا الأمن الدولى مع تبادل الرؤى بشأن التحديات الراهنة. بحضور أكثر من ١٨٠٠ مشارك، من بينهم مئات الإعلاميين. كما جاءت المشاركة الروسية الكبيرة هذا العام فى منتدى شيانغشان الـ ١٢ فى بكين، بوفد كبير ترأسه نائبة وزير الدفاع الروسى "آنا تسيفيليفا"، وضم كلاً من مدير الإدارة الطبية العسكرية "دميترى تريشكين" ، ومديرة إدارة الضمانات الإجتماعية " يوليا ياركويفا"، وعدداً من المسؤولين الآخرين. 
 
  وربما جاءت المواجهة معتمدة كذلك بين البروفيسور الصينى والملحق العسكرى الإسرائيلى، بعد تأكيد المتحدث الرسمى بإسم وزارة الدفاع الصينية، العقيد/ جيانغ بينغ، بأن: "منتدى شيانغشان الثانى عشر للأمن هذا العام فى العاصمة الصينية بكين، سيولى إهتماماً خاصاً بالذكرى الثمانين لإنتصار الحلفاء فى الحرب العالمية الثانية، من خلال جلسات بعنوان: "الأهمية المعاصرة للإنتصار فى الحرب العالمية ضد الفاشية"، و"ثمانون عاماً على تأسيس الأمم المتحدة: التقدم فى ظل التحولات العالمية"، وكأنها رسالة متعمدة من الصين لوزارة الدفاع الإسرائيلية والجيش الإسرائيلى عبر الملحق العسكرى الإسرائيلى الذى تمت دعوته لحضور منتدى شيانغشان الثانى عشر للأمن فى بكين، بأن الهدف الرئيسى للمنتدى والمشاركين فيه هذا العام، يتمثل فى إعطاء دفعة للجهود المتعددة الأطراف الرامية إلى حماية مكتسبات النصر والحفاظ على النظام الدولى لما بعد الحرب ومنع والقضاء على الفاشية العسكرية فى كل مكان. وهو مما من شأنه أن يوجه رسالة مبطنة وغير مباشرة للجانب الإسرائيلى المشارك فى فعاليات منتدى شيانغشان الثانى عشر للأمن بدعوة من الصين.  
 
مع الوضع فى الإعتبار بحرص الصين على دعوة إسرائيل وكافة الشخصيات العسكرية الدولية للمشاركة فى عدة ندوات وفعاليات تندد بالفاشية العسكرية وتدعو لعالم متعدد الأقطاب الدولية، ومن أبرزها تنظيم الصين لندوة يوم ١٧ سبتمبر، كندوة خاصة تجمع الشباب والضباط العسكريين والخبراء تحت عنوان: "الذكريات العسكرية والعالم المعاصر"، مع تبادل المشاركون وجهات النظر حول الحقائق التاريخية والتجارب التى يمكن الإستفادة منها فى صياغة نظام عالمى أكثر عدلاً. مع تنظيم الصين فى الوقت ذاته يوم ١٨ سبتمبر، لفعالية لمناقشة قضية مشابهة ضمن حلقة نقاش يشارك فيها خبراء من روسيا والصين وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، تحت عنوان: "الإنتصار فى الحرب العالمية ضد الفاشية والنظام الدولى". أما في اليوم الختامى لمنتدى شيانغشان الأمنى، فجاء حرص الصين على عقد إجتماع عام ركز فيه على ترسيخ نتائج النصر الصينى على الفاشية العسكرية لليابان، مع أخذ التحديات الراهنة المتعلقة بتعزيز الأمن العالمى وضمان الإستقرار الشامل فى الإعتبار. وهى كلها رسائل مقصود توجيهها صينياً إلى الجانبين الإسرائيلى والأمريكى علانية خلال أعمال منتدى شيانغشان الثانى عشر للأمن فى بكين. وبذلك، فقد كان منتدى شيانغشان الثانى عشر للأمن، بمثابة ضماناً للتواصل العميق بين الإرث التاريخى والواقع المعاصر، والذى كان من أهم محاوره (تعزيز المبادرات الصينية العالمية فى مجالى الحوكمة والأمن، الهادفة إلى بناء مستقبل بشرى مشترك وفقاً لرؤية الرئيس الصينى "شى جين بينغ" ).
 
وبناءً عليه نفهم، بأنه ربما جاء الحرص الصينى على دعوة وزارتى الدفاع الإسرائيلية والأمريكية للمشاركة فى أعمال منتدى شيانغشان الأمنى هذا العام فى ظل تلك التوترات الدائرة حول العالم، كمحاولة من الصين لتوصيل وجهة نظرها من خلال تنظيم فعاليات خاصة، حول عمليات حفظ السلام الصينية وإطلاع الجمهور والمجتمع الدولى والعسكرى المشارك فى فعاليات المنتدى الأمنى، على دور القوات المسلحة الصينية فى تعزيز الإستقرار العالمى، فى إطار التعزيز لمفهوم جديد للأمن يعتمد على التعاون، وهو أمر على النقيض تماماً من وجهتى النظر الأمريكية والإسرائيلية.

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا