إنتفاء صفة النفاق عن الصادقين
إنتفاء صفة النفاق عن الصادقين
بقلم / محمـــد الدكـــروري
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمدا رسول الله، صلوات ربي وسلامه عليه، وعلى آله وصحابته والتابعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد ولم يأمر المولى تبارك وتعالى عباده بالتحلي بالصدق، إلا لما في ذلك من الثمرات الفريدة والفوائد العديدة، التي تعود على الصادقين في الدنيا والآخرة، ومن ذلك هو أن الصدق أصل البر، والكذب أصل الفجور، كما في الصحيحين عن النبي المصطفي صلى الله عليه وسلم أنه قال " عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرّى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا، وإياكم والكذب فان الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرّى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا " رواه البخاري ومسلم.
وكما أن من الثمرات الفريدة والفوائد العديدة التي تعود على الصادقين في الدنيا والآخرة، هو انتفاء صفة النفاق عن الصادقين ففي الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ثلاث من كن فيه كان منافقا، إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان " رواه البخاري ومسلم، وكما أن من الثمرات الفريدة والفوائد العديدة التي تعود على الصادقين في الدنيا والآخرة، تفريج الكربات، وإجابة الدعوات والنجاة من المهلكات، كما يدل على ذلك قصة أصحاب الغار التي أخرجها البخاري ومسلم عن عبدالله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيها أنه قال بعضهم لبعض " إنه والله يا هؤلاء، لا ينجيكم إلا الصدق، فليدع كل رجل منكم بما يعلم أنه قد صدق فيه" فدعا كل واحد منهم ربه بما عمله من عمل صدق فيه لله، وأخلص له فيه.
فكان أن جاء الفرج، ففرج لهم فرجة بعد أخرى، حتى خرجوا من تلك المحنة، ويحكى أن هاربا لجأ إلى أحد الصالحين، وقال له أخفني عن طالبي، فقال له نم هنا، وألقى عليه حزمة من خوص، فلما جاء طالبوه وسألوا عنه، قال لهم ها هو ذا تحت الخوص، فظنوا أنه يسخر منهم فتركوه، ونجا ببركة صدق الرجل الصالح، ويروى أن الحجاج بن يوسف خطب يوما فأطال الخطبة، فقال أحد الحاضرين الصلاة، فإن الوقت لا ينتظرك، والرب لا يعذرك، فأمر بحبسه، فأتاه قومه وزعموا أن الرجل مجنون، فقال الحجاج إن أقرّ بالجنون خلصته من سجنه، فقال الرجل لا يسوغ لي أن أجحد نعمة الله التي أنعم بها عليّ، وأثبت لنفسي صفة الجنون التي نزهني الله عنها، فلما رأى الحجاج صدقه، خلّى سبيله، ونرى في سيرة السلف الصالح حرصهم الشديد على الصدق.
فهذا الشيخ عبدالقادر الجيلاني يقول عقدت أمري منذ طفولتي على الصدق، فخرجت من مكة إلى بغداد لطلب العلم، فأعطتني أمي أربعين دينارا لأستعين بها على معيشتي، وعاهدتني على الصدق، فلما وصلنا أرض همدان، خرج علينا جماعة من اللصوص، فأخذوا القافلة كلها، وقال لي واحد منهم ما معك؟ قلت أربعون دينارا، فظن أني أهزأ، فتركني وسألني آخر، فقلت أربعون دينارا، فأخذهم مني كبيرهم، فقال لي ما حملك على الصدق؟ فقلت عاهدتني أمي على الصدق، فأخاف أن أخون عهدها، فأخذت الخشية رئيس اللصوص، فصاح وقال أنت تخاف أن تخون أمك، وأنا لا أخاف أن أخون عهد الله؟ ثم أمر بردّ ما أخذوه من القافلة، وقال أنا تائب على يدك، فقال من معه أنت كبيرنا في قطع الطريق، وأنت اليوم كبيرنا في التوبة، فتابوا جميعا بسبب الصدق.
التعليقات الأخيرة