news-details
مقالات

بين الفساد والابتزاز المُشَرعَن: دعوة إلى صياغة دستور يُشرعن الواقع المُتعسِّف

بين الفساد والابتزاز المُشَرعَن: دعوة إلى صياغة دستور يُشرعن الواقع المُتعسِّف


بقلم/ عدنان صگر الخليفه 

إنَّ نظامنا الإداري مُثقلٌ بطبقات من البيروقراطية المُقيتة والروتين القاتل والتعقيدات المُزعجة، إلا أنَّ ما يزيد الطين بلّة هي تلك القرارات التي تنبع من قمة السلطة التنفيذية، من مجلس الوزراء ورئيسه، والتي لا تسعى إلى التخفيف بل إلى مضاعفة هذا العبء، مُحمِّلةً كاهل المواطن الفقير أوزاراً جديدة تفوق طاقته. إنَّ قرار ربط إنجاز المعاملات المدنية بتسديد فواتير الخدمات (كالكهرباء والماء والمجاري والهواتف) هو ابتكارٌ مُتقنٌ في أساليب مُعاقبة المواطن وابتزازه، ويُعدُّ سابقة خطيرة تنقض مبدأ العدالة الإجرائية، القائم على قاعدة "الجزاء من جنس العمل"؛ فما وجه الارتباط المنطقي بين حق المواطن في استصدار وثيقة مدنية ومديونيته لدائرة الكهرباء؟
إن هذا الإجراء هو اعتراف ضمني بـ فشل الأجهزة الحكومية في الجباية المباشرة، وعجزها عن تطبيق آليات التحصيل القانونية، مما يدفعها إلى اللجوء لأسلوب التعسف، بتحويل موظفي الدوائر الإدارية إلى جباة قسريين، وإخضاع المواطن لشرط تعجيزي قبل قضاء مصالحه الأساسية. ولكن، ما هي نوعية الخدمات التي يُطلب من المواطن تسديد أثمانها؟ في قطاع الكهرباء، يُجبَر المواطن على دفع فاتورة خدمة متقطعة، دافعاً ثمن فساد الحكومة وإخفاقاتها في عقود الاستثمار. وفي قطاع المياه، يُجبى الثمن مقابل ماء غير صالح للشرب، وتُفرض رسوم المجاري مقابل بنية تحتية تنهار مع كل قطرة مطر. وتكتمل الصورة المأساوية بابتزاز القطاعات الحيوية الأخرى؛ فالصحة والتعليم لا تقدم شيئاً مدعوماً، بل تُلقي بأعبائها كاملة على كاهل الأسرة.
هذه القرارات التعسفية الصادرة عن مجلس الوزراء هي في حقيقتها "قتل بطيء" للفئات الفقيرة والمعدومة، وإمعانٌ في استنزافها لتبقى مُثقلة وغير قادرة على رفع رأسها أو المطالبة بحقوقها. وهي تنفي أي ادعاء من القيادات التي تتحدث عن "عدالة عمر" أو "عدالة علي بن أبي طالب"، لأن هذه الممارسات لا تعكس سوى التجرد من أبسط معاني العدل والرحمة بالفقير.
أمام هذا المشهد الذي تتخلى فيه الدولة عملياً عن واجباتها، بات لزاماً على مجلس الوزراء، والأحزاب المتحكمة، والبرلمان الذي يدعي تمثيل الشعب، أن يتحلوا بالصراحة ويعيدوا صياغة الدستور العراقي ليُكتب فيه علناً وبشكل صريح أن "الدولة ليست مسؤولة عن دعم المواطن أو توفير أبجديات الحياة له". ويجب أن يُنص في الدستور الجديد على أن جميع الخدمات – الكهرباء، الماء، التعليم، الصحة، وحتى تبليط الشوارع – هي مسؤولية المواطن وحده. ونظراً لأن هذه الأعمال لا تنم عن عدل أو إعطاء لحقوق الإنسان، بل فقط سلب منه، يجب إلغاء أي كلمة تمتد أو تمس لأي ديانة سماوية في الدستور، لأن كل الديانات تهتف بالعدل، ولا يوجد تشريع سماوي يُسلب به حق الإنسان أو يُقتل ببطء.
كذلك، ندعو كافة المرجعيات الدينية في العراق – السنية، الشيعية، المسيحية، والصابئية – إلى أن تقيم دعوى إعلامية صريحة ضد هذه الإجراءات، وأن تتنبه إلى أن ما تفعله الدولة قد خرج عن القواعد الدينية الأساسية، خصوصاً في ضوء مبادئ العدل التي تقوم على أن العطاء يجب أن يكون على قدر المعرفة. إن المواطن اليوم يُجبَر على دفع ثمن هذا الهدر الحكومي وسرقة مقدرات البلاد، ليُصبح دوره هو تعويض الأموال التي سرقها السياسيون، وذلك من جيبه الذي لا يملك فيه إلا قوت يومه بالكاد. هذا الوضع يؤكد أن العلاقة بين الدولة والمواطن قد انقلبت رأساً على عقب، ليصبح المواطن مُكلّفاً بخدمة الدولة وتمويل فشلها، بدلاً من أن تكون مؤسسات الدولة والنفط لخدمته.

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا