news-details
مقالات

حين ينهض الأقوياء من صمتهم https://omdertimes.com/?p=83996

حين ينهض الأقوياء من صمتهم

بقلم/نشأت البسيوني 

في حياة الإنسان لحظات تتوقف فيها الأيام عن الركض وتخفت أصوات العالم حتى تكاد لا تسمع ويجد المرء نفسه وجها لوجه أمام حقيقة واحدة لا يمكن الهروب منها

أن أعظم معركة يخوضها ليست ضد أحد بل ضد ما يختبئ فيه
في تلك اللحظة الخالية من الضوضاء حيث لا جمهور ولا تصفيق يقف الإنسان أمام ذاته كما لو أنه يقف أمام قاض لا يجامل ومرآة لا تكذب وسؤال لا يرحم

هل أنت كما تدعي أم كما تخشى أن تكون
هناك أرواح تخفي ضعفها تحت ضحكة مصطنعة وأخرى تخبئ قوتها تحت صمت عميق وصنف ثالث لا يقاتل ليهزم الآخرين بل ليهزم انكساره الذي ظل يطارده لسنوات

وهذا الصنف الأخير هو الذي يصنع الفرق ويشق الطريق لنفسه ويصنع الضوء من قلب العتمة
العالم مليء بمن يصرخ أنا الأقوى

لكنه فقير جدا بمن يهمس لنفسه سأكون أقوى مما كنت
وهذا الفارق البسيط هو الذي يصنع الفارق العظيم بين متباه يلهث خلف صورة ومقاتل يلهث خلف حقيقة
فالمنافسة ليست لعبة بينك وبين الناس

إنها امتحان بينك وبين قدرتك على النهوض بعد كل جرح على المشي رغم التعب وعلى بناء حلمك من بين الأنقاض
وكلما ظننت أنك بلغت النهاية اكتشفت أن هناك بداية أخرى تنتظرك وأن في داخلك مساحة من الصمود لم تطأها روحك بعد
أقوى الناس ليس من يسبق خطوات الآخرين

بل من يسبق هزيمته
وليس من يعلو على كتاف الخصوم
بل من يعلو على جرحه
وليس من يصرخ ليسمع بل من يهدأ ليتقن
أما الضجيج فهو حيلة الضعيف وأما الصمت فهو سلاح القوي

وفي كل مرة تنهض فيها بعد سقوط تدرك دون أن تشعر أن العالم لم يخلق ليرضي أحدا بل ليختبر فيه كل أحد

وحين تتجاوز اختبارك الصعب لن تسأل هل من منافس
بل ستسأل هل هناك من يجرؤ على السير بهذا الطريق
إن الطريق الذي يبنى من الألم لا يستطيع الضعفاء أن يخطوا فيه
والجسر الذي يقام من الصبر لا يقدر المتعجلون على عبوره
أما الذين يملكون قلبا صبورا وروحا ثابتة وجرحا صار مع الوقت مدرسة للحكمة

فهؤلاء يصبحون كالأشجار العتيقة لا يذبلون ولا يسقطون ولا ينافسون أحدا لأنهم أصلا يقفون في مكان لا يصل إليه غيرهم

وفي نهاية المطاف حين تضع رأسك على وسادتك ليلا سيظل السؤال الذي لا يجيب عنه سواك
هل أنت أقوى اليوم مما كنت أمس
فإن كان الجواب نعم
فأنت المنتصر مهما قال الناس ومهما ظن المنافسون ومهما حاولت الحياة أن تسقطك

وهكذا حين ينهض الأقوياء من صمتهم لا يبحثون عن منافس ولا ينتظرون مبارزة
إنهم فقط يمضون في طريقهم يتركون أثرا لا يمحى ويصنعون مجدا لا يحتاج إلى شاهد
ويمضي خلفهم العالم يسأل بدهشة
من هذا الذي عبر دون أن يلتفت

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا