news-details
مقالات

حين يختنق الليل يظلم لبشر

حين يختنق الليل بظلم البشر

بقلم/ناني عادل 

في زاوية من زوايا الدنيا حيث تتثاقل الخطوات وتتعثر الأرواح بمنحدرات القدر يقف الظلم كجدار معتم يحجب الضوء ويطفئ جذوة الأمل في صدور المقهورين الظلم ليس حدثا عابرا ولا طيفا يهب ثم يذوب بل هو وجع يتخذ هيئة إنسان وصوت يتسلل في الخرائب ويد تمتد لتسرق من القلب طمأنينته ومن العيون نومها
الظلم كلمة قصيرة لكن وقعها أطول من عمر صاحبها يطرق أبواب القلوب بلا استئذان يدخلها كالغبار يعلو فوق صدورهم يترك في النفس ندوبا لا ترى لكنه يسمع صداها كلما خلت الطرقات من صخب البشر ما ظلم أحد أحدا إلا واهتز في السماء نجم وسقط في الأرض يقين فكم من روح طاهرة انحنت تحت وطأة عيون لا تعرف الرحمة وكم من قلب صادق تكسر لأن يدا غليظة لم تدرك قيمة الندى وهو يسقط فوق الورد
يقولون إن الظلم يغير الوجوه وأنا أقول إنه يغير الأرواح ينحت فيها جبالا من الصمت ويبني فوقها أسوارا من الاحتراق ليس أبشع من الظلم إلا أن يأتيك ممن ظننته ملجأك فيتحول الدفء إلى رماد والوعود إلى أشواك والحكايات إلى دروب موحشة لا يسمع فيها سوى الألم
والغريب أن الظالم لا يرى نفسه ظالما يمشي متكئا على غروره يظن أن الأيام طوع يمينه وأن الدهر ملك لتوقيعه وأن صمت المظلوم ضعف لا صبر ينسى أن الليل مهما طال فالفجر يعرف طريقه وأن الدموع مهما سالت فإن لها موعدا حتميا مع الجبر وأن الله  وهو العدل  لا يترك قلبا منكسرا إلا وأرسل إليه ضوءا يعيد اتزانه
المظلومون هم أجمل الوجوه التي عرفها التاريخ وجوه خط عليها الصبر كوشم سماوي وامتلأت عيونهم بحكايات تشبه المطر ينزل فيطهر الأرض لكنه حين يتساقط يوجع الغيوم هؤلاء الذين يحملون أوجاعهم في صمت يشبه العظمة الذين يتكئون على الله حين تخذلهم الأرض والذين ينامون بألم لكنهم يستيقظون بوجه أكثر طهارة من الأمس
أما الظالم فهو يمشي فوق جراح الناس غير مدرك أن الطريق الذي يخطوه سيعود إليه يوما وأن كل خطوة فيه تنبت شوكة في طريقه القادم الظلم لا يدوم وإن دام لحظة والجبروت يتشقق وإن بدا متماسكا ولو فتح الظالم قلبه ليرى آثار ما فعل لاشم رائحة الرماد في داخله ولاستفاق من غفلته قبل أن يحاصره الدهر بمرآته
يا لغرابة هذا العالم يظن الإنسان أن قوته تقاس بما يأخذه من غيره ولا يعلم أن أعظم القلوب هي التي تنصف قبل أن تطالب وتسامح قبل أن تغلب وتضيء رغم العتمة فليس النصر أن تقهر ضعيفا بل أن تقهر ظلمك في داخلك
وفي نهاية الحكاية  وكل حكاية لها نهاية  يبقى صوت المظلوم أعلى من كل السلطان يبقى رجاؤه أقوى من كل السيوف يبقى دعاؤه أسرع إلى السماء من كل صرخات المتكبرين فالظلم يخلق وجعا لكن وجع المظلوم يخلق معه نصر لا يضيع وحق لا يموت وميزان لا يميل والعدل وإن تأخر فإنه يأتي على هيئة نور يقطع الليل أو على هيئة فرج يشق القلب من وسط الغيم
فاللهم اجعل لكل مظلوم نورا لا ينطفئ وطريقا لا يضيع وقلبا لا ينكسر وألهم الظالمين صحوة تعيد إليهم إنسانيتهم قبل أن يضيعوا في ظلمة أنفسهم

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا