news-details
مقالات

حين يسقط المظلوم واقفا

حين يسقط المظلوم واقفا

بقلم/ناني عادل 

في هذا العالم الذي يمتلئ بالضجيج هناك أصوات لا يسمعها أحد أصوات تتكور في صدور المظلومين كأطفال خائفين يختبئون من عاصفة لا ترحم الظلم ليس حدثا يروى بل زلزال يترك الشقوق في الروح يجعل القلب يعيش على حافة الانهيار ويمشي في العمر بخطوات لا تشبه خطواته الأولى هو وجع متجذر لا يرى بالعين لكنه يحس في ملامح الذين تغيروا فجأة في العيون التي فقدت بريقها وفي الكلمات التي صارت تقال بنصف نفس
أشد الظلم هو ذاك الذي ينبت الصمت في داخلك يجعل صوتك يهرب منك ويجعل ثقتك بكل شيء تنكسر كإناء سقط دون إنذار كل مظلوم يعرف تلك اللحظة اللحظة التي شعر فيها بأن الأرض ضاقت عليه وأن السماء أعلى من أن تشكو لها وأن صدره أصبح ضيقا على دمعة واحدة
الظلم لا يأتي دائما كصفعة بل يأتي كخيانة ككلمة قاسية كحكم جائر كغياب غير مفهوم كاستغلال طيبة قلب أو كخذلان من شخص كنت تراه آخر من يمكن أن يظلمك
وكلما كان الإنسان أقرب كان الظلم أوجع
فالطعنة لا تؤلم لأنها طعنة بل لأن يدا مألوفة هي التي حملتها
المظلوم يعيش حياة مزدوجة حياة يراها الناس وحياة حقيقية لا يعرفها إلا الله
في الحياة التي يراها الناس يبتسم يتحدث يجامل ويمشي بين الطرقات كأنه سليم
وفي حياته الحقيقية يسقط كل ليلة دون أن يراه أحد يدفن وجعه تحت الوسادة ويتساءل بصوت يسمعه قلبه فقط
لماذا أنا
لماذا كل هذا الألم
لماذا لا يفهمون
لماذا لا ينصفون
الظلم يقتل شيئا عميقا في الإنسان ليس الرحمة ولا الثقة فقط بل يقتل الطفولة التي كانت تسكن القلب
يجعل المظلوم أكبر من عمره أثقل من السنوات التي عاشها أعمق من كل التجارب التي مر بها
حتى الابتسامة تفقد معناها تصبح مجرد حركة لتمرير الوقت لا تعبيرا عن فرح بل محاولة يائسة للإبقاء على ما تبقى من قواه
وما أقسى تلك الليالي التي يعرفها المظلوم جيدا الليالي التي يقلب فيها جراحه واحدا واحدا يضعها أمامه كحكايات لم يكتبها هو بل فرضت عليه فرضا
ليال يكون فيها الهواء ثقيلا والسرير خشنا والذكريات أكثر حدة من السيف
ليال يقول فيها لقلبه تحمل ولا يعرف كيف
الظالمون يمشون واثقين يظنون أنهم لا يحاسبون وأن الأيام لن تعود إليهم بما فعلوا
لا يدركون أن الظلم مثل الظل لا يترك صاحبه مهما ابتعد
قد يظلم أحدهم وهو يضحك وقد يكسر القلب وهو مطمئن لكن تأتي لحظة وهي تأتي بلا شك يواجه فيها نفسه يواجه المرآة التي تهرب منه الآن
هناك فقط يعرف أن كل ما بناه فوق وجع الناس كان بناء هشا ينتظر أول ريح كي تسقطه
أما المظلوم فبرغم كل ما يمر به يظل واقفا
قد يتعب نعم
قد يبكي نعم
قد ينهار قليلا نعم
لكنه لا يسقط سقوطا كاملا
هناك قوة خفية تقيمه قوة لا يعرف مصدرها إلا الذي خلق قلبه
المظلوم يملك من الله ما لا يملكه غيره
يملك وعدا لا يتغير وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين
وهذا الوعد هو الهواء الذي يتنفسه كل قلب أرهقه الجور
ولأن الظلم طويل فإن صبر المظلوم أطول
ولأن الظلم ثقيل فإن دعوة المظلوم أثقل على السماء من كل الكلمات
ولأن الظلم ظلام فإن الله لا يترك عبده في الظلام طويلا
في نهاية المطاف يخرج المظلوم من التجربة شخصا آخر
أقوى أكثر عمقا أكثر فهما للحياة وأكثر قربا من الله
أما الظالم فيخرج منها شخصا ناقصا يمشي وفي داخله خراب لا يظهر الآن لكنه يكبر كل يوم حتى يأتي اليوم الذي يكتشف فيه أنه خسر كل شيء حتى نفسه
ويبقى الحق برغم تأخره نورا يعرف طريقه
ويبقى الظلم برغم قوته ضعيفا أمام كلمة عدل واحدة
ويبقى المظلوم برغم وجعه أعظم إنسان يمر بهذه الأرض

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا