بين استعباد المناصب وضياع المليارات.. من هو "أب" الخراب القادم؟
بين استعباد المناصب وضياع المليارات.. من هو "أب" الخراب القادم؟
بقلم/ عدنان صگر الخليفه
في مشهدٍ سياسي يستحضر دهاء التاريخ ومكائد الغدر، اجتمعت الكتل الحاكمة لتشكيل ما أسموه "حكومة الفرصة الأخيرة"، لا لإنقاذ وطنٍ يغرق، بل لترسيخ نظامٍ يضمن توزيع "دم مقدرات العراق" بين القبائل السياسية بآلية شيطانية تجعل من المستحيل الإشارة بسبابة الاتهام إلى سارق بعينه، تماماً كما أُريد لدم نبي الرحمة ﷺ أن يضيع بين القبائل ليلة المبيت لتستحيل المحاسبة. نحن اليوم أمام سلطة "تعدد الرؤوس" التي حولت العراق إلى إقطاعيات مباحة لمكاتب الأحزاب الاقتصادية، مستخدمةً موازنة ثلاثية تاريخية تصل إلى 450 مليار دولار، وهي ثروة فلكية تكفي لبناء دول من العدم، ومع ذلك يجد العراقي نفسه اليوم أمام خزينة خاوية ومديونية ثقيلة. إن الفاجعة تكمن في أن هذه المليارات المخصصة للعراق بكافة محافظاته، لم تستطع تأمين كوب ماء صالح للشرب في خمس عشرة محافظة عراقية تعيش عطشاً بنيوياً في ظل تهالك شبكات الإسالة الوطنية، مما أجبر المواطن على شراء مائه من حر ماله، بينما تتبجح السلطة بكرمها الزائف في إعمار مدن خارج الحدود كجنوب لبنان من أموال هؤلاء المحرومين في السماوة والديوانية والبصرة والناصرية. وما يثير الريبة والذهول هو أن تلك "الجسور والواجهات" التي روجت لها الماكنة الإعلامية كإعجاز تاريخي، لم تكن سوى خدعة بصرية قيمتها لا تتجاوز الفتات أمام هول المبالغ المفقودة، بل والصادم أن مديونية المقاولين الذين نفذوا تلك المشاريع قد تجاوزت الثلاثين تريليون دينار، مما يعني أن الإعمار كان "بالدَّين" ولم يُدفع ثمنه من تلك المليارات المفقودة. فأين ذهبت موازنة الـ 450 مليار دولار إذاً؟ لقد ابتلعتها ثقوب الفساد الإداري والفاتورة التشغيلية الانتحارية التي تناهز التسعين مليار دولار سنوياً لتغذية امتيازات وإيفادات وخطورة طبقة المسؤولين الذين يستعبدون العراقيين بمناصبهم، بينما يفرضون الجبايات والضرائب القسرية على المواطن الذي تنحصر قوته الشرائية يوماً بعد يوم لسد العجز الذي صنعه فسادهم. إن هؤلاء الذين يتدثرون بعباءة الدين وبركات المرجعية – وهي منهم براء – قد سبقوا إبليس بآلاف الدرجات في دهاء التدمير، إذ يسرقون المواطن ثم يطالبونه بالتقشف. إن وعي الشارع العراقي اليوم ليس جهلاً، بل هو تشخيص دقيق للجريمة، ولن نقبل في المرحلة القادمة بحكومة "لقيطة" مجهولة الأب السياسي؛ فنحن نطالب بمهندسٍ يخرج للعلن، يضع اسمه وتاريخ حزبه أمام القانون والناس، ويتعهد بالمسؤولية الكاملة عن الموازنة القادمة، لكي لا تضيع حقوقنا مرة أخرى في دهاليز المحاصصة ومتاهات الهروب من الحساب.
التعليقات الأخيرة