سر نجاح المسجد في أداء رسالته
بقلم / محمـــد الدكـــروري
يا عباد الله لعلنا نتساءل فيما بيننا عن سر نجاح المسجد في أداء رسالته ومهمته في الصدر الأول؟ فنجد أن سر نجاحه يرجع أساسا إلى فهم المسلمين المستقيم لحقيقة وطبيعة الحياة الدنيا ولرسالة الإنسان فيها، فلم يحدث انفصام في شخصية المؤمن بين الدين والدنيا أو بين الروح والجسد أو بين المسجد والمجتمع، بل لقد عاش المسلمون الأول في سياج الإسلام بالمعنى الشامل فعلت بهم راية الإيمان ورفعوا منارة التوحيد ونشروا لواء العدل وجعلوا كلمة الله هي العليا ومن أجل ذلك شرع الأذان الله أكبر الله أكبر النغمة العلوية التي تدوي في الآفاق كل يوم خمس مرات والتي ترتج لها أنحاء الوجود، ولقد كان المسجد أول مؤسسة أنشأها النبي صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة لتكون رسالة إلى عموم المسلمين حول محورية وظيفته في حياتهم، فبرجوعنا إلى سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت أولى خطواته في قباء هي بناء المسجد، وأول عمل قام به صلى الله عليه وسلم في المدينة كان بناء المسجد.
وهذا الأمر لم يكن على سبيل المصادفة، ولم يكن مجرد إشارة عابرة، وإنما هذا منهج أصيل لا قيام لأمة إسلامية بغير المسجد، أو قل لا قيام لأمة إسلامية بغير تفعيل وظيفة المسجد لأن المساجد الآن كثيرة، لكن الكثير منها غير مفعل ولا يقوم بالوظائف المنوطة به، وقد كانت للمسجد زمن النبي صلى الله عليه وسلم وظائف في غاية الأهمية، ولم يقتصر في وظيفته على الأبعاد الروحية والتعبدية، بل شمل أبعادا أخرى تربوية توجيهية، واجتماعية وثقافية وصحية، وإعلامية وسياسية وعسكرية، ومركزا لإدارة كل شئون الناس وتسيير مصالحهم الدنيوية وحل مشكلاتهم اليومية، وغير ذلك من المهام التي غابت اليوم في مساجدنا بعد أن صارت أماكن للصلاة فقط دون امتداد وظيفتها إلى الإطار المجتمعي العام، فالمسجد مؤسسة إسلامية شاملة شمول اﻹسلام، ولقد كانت هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، تعنى إنشاء أول دار إسلام إذ ذاك على وجه الأرض.
وعندما وصل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قباء واستقبله من فيها أسس النبي صلى الله عليه وسلم مسجد قباء وهو المسجد الذي وصفه رب العباد بقوله تعالى فى سورة التوبة "لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه، فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المتطهرين" ثم واصل النبي صلى الله عليه وسلم سيره إلى المدينة، فأقام فيها المسجد الجامع ذلك لأنه أهم ركيزة في بناء المجتمع الإسلامي ، الذي يكتسب صفة الرسوخ والتماسك بالتزام نظام الإسلام وعقيدته وآدابه ، ولا ينبع هذا كله إلا من روح المسجد و وحيه ، ولقد حث النبى عليه الصلاة والسلام على بناء المساجد وإقامة الصلاة فيها ، فقال صلى الله عليه وسلم "من بني مسجدا يبتغي به وجه الله بني الله له مثله في الجنة" رواه البخاري، وقال صلى الله عليه وسلم "أحب البلاد إلى الله تعالى المساجد، وأبغض البلاد إلى الله تعالى أسواقها" رواه مسلم، ولقد رغب القرآن في عمارتها وتعميرها.
فقال تعالى "إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر" ورغبت السنة في حديث " سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله" وعدّ منهم "ورجل قلبه معلق بالمساجد" رواه مسلم، وإن بيت الله جامعة مثمرة منتجة تنجب فطاحل العلماء وكبار المقرئين في كل عصور الإسلام الزاهية مما يؤثر ذلك على المجتمع إيجابيا فيخرج أناسا صالحين نافعين لمجتمعهم يعملون بكتاب الله ويبذلون الغالي والنفيس من أجل خدمة عباد الله، وقد أشاد النبي صلى الله عليه وسلم، بأهمية الدور التعليمي للمسجد وحث عليه ولم يقتصر الدور التعليمي للمسجد على الرجال بل نافست عليه النساء لما ورد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال، قالت النساء للنبي صلى الله عليه وسلم " غلبنا عليك الرجال فاجعل لنا يوما من نفسك، فوعدهن يوما لقيهن فيه فوعظهن وأمرهن" رواه البخاري، وفتح المسجد بابه للمرأة لتشهد دروس العلم ليتأكد حق المرأة في تحصيل العلم ومشاركة الرجل في الحياة العلمية.
وقيل أنه عندما هاجرت السيدة عائشة رضي الله عنها من مكه إلي المدينة، وأقامت بها، فقد أعجبت السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها بإقبال الأنصاريات على العلم فقالت "نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء من أن يتفقهن في الدين" رواه البخاري، فالمسجد مركز علم ودعوة لا يقف دوره عند الوعظ والفتوى، والحل والحُرمة مع شرف هذا وإنما كان له دور كبير أيضا في تصحيح الأخطاء ومعالجة التصرفات الخاطئة وتعليم الناس الصواب وإرشاد المجتمع إلى السبيل الأمثل والطريق الأقوم.
التعليقات الأخيرة