توعية الناس وتثقيفهم في أمور دينهم ودنياهم
بقلم / محمـــد الدكـــروري
جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم استعمل رجلا من بني أسد على صدقة فلما قدم قال هذا لكم وهذا أهدي إليَّ فصعد النبي صلى الله عليه وسلم المنبر وحمد الله سبحانه تعالى وأثنى عليه ثم قال "ما بال العامل نبعثه فيأتي ويقول هذا لك وهذا لي؟ فهلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيُهدى إليه أم لا؟ والذي نفسي بيده لا يأتي بشيء إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته إن كان بعيرا له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة تيعر, ثم رفع يديه وقال ثلاثا ألا هل بلغت؟" رواه البخاري ومسلم، وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال "جاء رجل والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب الناس يوم الجمعة، فقال "صليت يا فلان؟" قال لا، قال "قم فاركع ركعتين" وفي رواية "فصل ركعتين" رواه البخاري ومسلم، كذلك يقوم المسجد بتوعية المجتمع وتثقيفه وتعليمه من خلال خطبة الجمعة وحلق الذكر وتقديم الفتاوى والإستشارات وتحديد المواقف إزاء النوازل والمستجدات.
مما يساهم في توعية الناس وتثقيفهم في أمور دينهم ودنياهم، ويقول الله عز وجل "قل أمر ربى بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد" أى فى أى مسجد كنتم " وادعوه مخلصين له الدين كما بدأكم تعودون" وأما دور المسجد في الجانب الاجتماعي فكان عظيم، فقد كان المسجد مقرا لاجتماعهم، ومركزا لمؤتمراتهم ومحلا لتشاورهم وتناصحهم، فيه يتلاقون ويتآلفون ويتعارفون وعلى الخير يتعاونون يتلمسون فيه غائبهم ويودعون مسافرهم ويعودون مرضاهم، وإن للمسجد دور ريادي في معالجة مشكلة الفقر والقضاء عليها وإشاعة التعفف في المجتمع فقد أنزل الله في أهل الصفة قوله تعالى " للفقراء الذين أحصروا فى سبيل الله لا يستطيعون ضربا فى الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا" فكان المسجد متكفلا بهم مراعيا لهم لا يألو جهدا ولو بالقليل في إطعامهم وإدخال السرور عليهم " فإذا أتى النبى صلى الله عليه وسلم صدقة بعث بها إليهم،
ولم يتناول منها شيئا، وإذا أتته هدية أرسل إليهم فأصاب منها وأشركهم فيها" رواه البخاري، وعن المنذر بن جرير عن أبيه قال كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدر النهار قال فجاءه قوم حفاة عراة مجتابي النمار أو العباء متقلدي السيوف عامتهم من مضر بل كلهم من مضر فتمعر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم, لما رأى بهم من الفاقة, فدخل ثم خرج, فأمر بلال فأذن وأقام فصلى ثم خطب فقال "يا أيها الناس اتقوا ربكم الذى خلقكم من نفس واحدة" إلى آخر الآية "إن الله كان عليكم رقيبا" وقال صلى الله عليه وسلم " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون" فقال "تصدق رجل من ديناره من درهمه من ثوبه من صاع بره من صاع تمره حتى قال ولو بشق تمرة" قال فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها بل قد عجزت قال "ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام ورأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتهلل كأنه مذهبة" رواه مسلم.
وإعلموا أن المسجد هو أول جامعه إسلامية في العهد النبوي الشريف، وينبغي علينا أن نعيد للمسجد دوره الاجتماعي، خاصة في هذا الزمن الصعب الذي ضاقت فيه أمور الناس المعيشية وضعفت أحوالهم الاقتصادية وأما في الجانب السياسي والعسكري فقد كان للمسجد دور لا يتصور في خدمة المجتمع وإصلاح أموره في هذه الجوانب، فقد كان المسجد المعسكر الذي تعقد فيه الألوية ومنه تسير الجيوش لحماية المسلمين وكان الجرحى فيه يعالجون والأسرى بسواريه يربطون، والوفود والسفراء فيه يستقبلون، وكان الأحباش يتدربون ويتبارزون ويتصارعون في المسجد والرسول صلى الله عليه وسلم يشهد ذلك، ويراه أيضا أزواجه رضي الله عنهن من خلفه، فيقول المهلب رحمه الله "المسجد موضوع لأمر جماعة المسلمين فما كان من الأعمال يجمع منفعة الدين وأهله جاز فيه" كما كان للمسجد أعظم الدور في إلهاب حماس المسلمين وتشجيعهم على الذود عن الحرمات.
والدفاع عن المقدسات وشحذ النفوس للجهاد والقتال في سبيل الله، فصلاح الدين الأيوبي رحمه الله، خرج لملاقاة عدوه من النصارى بعد صلاة الجمعة لسبع عشرة خلون من ربيع الآخر سنة ثلاث و ثمانين وخمسمائة للهجرة وخرج معه المسلمون من المساجد إلى الجهاد وهم يكبرون ويتضرعون فنصرهم الله، وللمسجد في خدمة الأمة وإصلاح المجتمع أدوار أخرى كثيرة، فيجب علينا جميعا أن نحيي رسالة المسجد ونقوم بدورنا في بعثه وإحيائه في كل المجالات، كل على حسب مجاله وتخصصه ولا يظن ظان أن الإمام أو الخطيب أو لجنة المسجد أو وزارة الأوقاف هم وحدهم المسئولون عليه، فكلنا مسئولون وكل واحد منا يجب عليه أن يشارك ويساهم في ترقية المساجد وتطويرها حسيا ومعنويا، فالتاجر بماله ودعمه والأمي بحثه ودعائه ويده وطالب العلم بعلمه ودروسه وحضوره والحافظ لكتاب الله بتعليمه وتحفيظه لغيره والمدير والمربي بتوجيهاته وإرشاداته، والطبيب بخبراته وإستشاراته والمدرس في مجاله.
التعليقات الأخيرة