news-details
منوعات

الذوق العام وأزمة القدوة المعاصرة هاني أبو أثمار " جريده الأضواء المصريه "

الذوق العام وأزمة القدوة المعاصرة

 

هاني أبو أثمار
باحث ومهندس مستقل في الهندسة الاستراتيجية متعددة التخصصات


المقدمة والفكرة


يُعدُّ الذوقُ العامُّ الراقي القيمي أحدَ أهمِّ البنى الوجدانية التي يقوم عليها استقرار الإنسان والمجتمع، 

فهو ليس مظهرًا سلوكيًا فقط، 

بل منظومة إدراكٍ وتوازنٍ داخلي تُنتج الوعي وتُوجّه الفعل الإنساني نحو البناء بدل الانحدار.


وفي المشهد المعاصر، تتسع دائرة الاختلالات بصورةٍ معقدة،

 لكن جوهرها العميق يرتبط بخللٍ مركزي في منظومة القدوة، 


حيث تراجع الانسجام بين مواقع التأثير العالمي وبين الذوق العام،


 ما جعل هذا الخلل بمثابة “الأصل البنيوي” لكثيرٍ من الأعضالات المعاصرة، لا مجرد نتيجةٍ لها.


...
التحليل....

إنَّ هذا الأعضال المركزي لا يُفهم بوصفه سلوكًا عابرًا أو انحرافًا جزئيًا،

 بل بوصفه خللًا هندسيًا في منظومة تشكيل الوعي الجمعي، 


إذ إنَّ القدوات والمتصدرين للمشهد الإنساني العالمي عامه ما يزالون، وفق الواقع المعاش، يتعاملون مع الذوق العام بأساليب متناقضة مع القيم المعلنة ومع منطق التوازن الإنساني، 

وما يزال يصدر عن بعض هذه المنظومات ما يغزو الوجدان الإنساني ويعيد تشكيله بصورةٍ متكررة ومؤثرة.

 

ومن هنا، فإنَّ هذا الاختلال لا يبقى محصورًا في دائرة الإعلام أو الثقافة أو السياسة، 


بل يتسرب إلى كل طبقات الحياة الإنسانية:

 في التعليم، والسلوك الاجتماعي، والاقتصاد، والعلاقات، وحتى في تصور الإنسان لذاته ومكانه في العالم.


 وبهذا المعنى يتحول تصاعديا اختلال القدوة إلى “مولِّد رئيسي” لباقي الأعضالات، لا مجرد عنصرٍ ضمنها.


كما أنَّ الاقتصار على معالجة النتائج دون الجذور يُنتج دوراتٍ متكررة من الأزمة، 

حيث يُطلب من الفئات الأدنى تعديل سلوكها، 

بينما تظل المنظومات الأعلى تأثيرًا في إنتاج النموذج نفسه الذي يعيد تشكيل الانحراف بصورةٍ مستمرة.


إنَّ المرتكزات السيادية والثقافية والإعلامية وعامة المرتكزات البارزة
في شتى مناحي الحياه العامه والخاصه والمجتمعيه 


 ليست مواقع نفوذ فقط،


 بل هي هندسة وعيٍ عالمي، 

والقدوة فيها ليست خيارًا شكليًا، 


بل مسؤولية بنيوية تؤثر في تشكيل الاتجاه العام للإنسانية.


ومن زاوية أعمق، فإن هذا الاختلال يرتبط أيضًا ببنية المصالح العالمية ذاتها، 

حيث يتم أحيانًا ربط السلوك القيمي بالمنفعة الآنية،

 بدل ربط المنفعة بمنظومة قيمية عليا متوازنة، 

وهنا يحدث الانحراف الهندسي:


 إذ تصبح المصالح منفصلة عن الأخلاق 

أو متقدمة عليها، 

أو مبررة لها،

 بدل أن تكون ضمن إطارٍ قيميٍّ منضبط.


والتصحيح الحقيقي لا يمكن أن يتم إلا عبر ربطٍ هندسيٍ أصولي بين الذوق العام والقيم والمصالح،


 ضمن منظومة متكاملة مرنة،

 لا تقوم على ردود الفعل،

 بل على بناءٍ واعٍ ومؤسسي للوعي والسلوك، 

بحيث لا يبقى فيها مجالٌ للمحاذاة الرمادية التي تنتج التشوش والانفلات القيمي.

...
النتيجة...
بناءً على ذلك،
فإنَّ هذا الأعضال المتعلق بالقدوة والذوق العام 

ليس جزءًا من المشكلة فحسب
، بل هو أساسٌ بنيوي لكثيرٍ من الأعضالات المعاصرة في مختلف المستويات.


ولذلك فإن أي معالجةٍ جادة لا يمكن أن تكون جزئية أو سطحية، 

بل يجب أن تبدأ من إعادة هندسة مفهوم القدوة نفسه، 

وإعادة ضبط العلاقة بين مواقع التأثير وبين القيم الإنسانية العليا،

 وربط ذلك كله بالمصالح ربطًا هندسيًا أصوليًا داخل منظومةٍ قيميةٍ مواكبة، متكاملة، مرنة، وقابلة للتطبيق.

...

وعندما يُعاد بناء هذا المركز على هذا الأساس، يمكن لبقية المنظومة الإنسانية أن تبدأ باستعادة توازنها، لأن إصلاح الأصل يؤدي تلقائيًا إلى إعادة ترتيب الفروع، وإعادة تشكيل الاتجاه العام للوعي الإنساني بصورةٍ أكثر اتزانًا واستدامة.

 

الذوق العام وأزمة القدوة المعاصرة

 

هاني أبو أثمار

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا