news-details
مقالات

عولمة "منهج الكاوبوي" وتفكيك بنية التزييف الدولي (دراسة تحليلية) ​قراءات الإدارة الأمريكية وإسقاطاتها على المشهد العراقي أعدها/عدنان صگر الخليفه – جريده الأضواء المصريه

عولمة "منهج الكاوبوي" وتفكيك بنية التزييف الدولي (دراسة تحليلية)

​قراءات الإدارة الأمريكية وإسقاطاتها على المشهد العراقي

أعدها/عدنان صگر الخليفه 
 

​مقدمة: نزع الأقنعة ورأس الهرم المعطوب
​حين يشن رئيس الولايات المتحدة الأمريكية دونالد ترامب هجوماً لاذعاً وساخراً على كبريات المنصات الإعلامية في بلاده —مستخدماً توصيفات متهكمة مثل "تشاينا ستريت جورنال" و"نيويورك تايمز الفاشلة"— فإنه لا يخوض مجرد مناكفة سياسية عابرة؛ بل يشخّص، من حيث يقصد أو لا يقصد، عَرَضاً لمرض بنيوي أصاب السياسة الدولية برمتها. إن هذا الاستهجان الرئاسي يمثّل إعلاناً صريحاً لسقوط ورقة "المهنية والموضوعية" عن الماكينة الإعلامية الغربية، ويكشف تحولها إلى مؤسسات تجارية نفعية، تُصاغ تقاريرها وتُوجّه تطلعاتها وفقاً لحجم "النسبة المادية" والتمويل المتدفق من كارتيلات المال ولوبيات الضغط السياسي.
​بيد أن المفارقة الكبرى والتناقض الصارخ يكمنان في أن رئيس الدولة التي تقود النظام الدولي، والذي يتهم إعلامه بالتخادم والكذب، يمثّل هو نفسه مصدراً "للتضليل الاستراتيجي" والتقلب اللحظي؛ فهو الذي يعلن عسكرياً سحق المفاعلات النووية لخصومه وتدمير قدراتها بالكامل، ليعود بعد أيام قلائل مطالباً بالتفاوض على تفكيك تلك المفاعلات ومحذراً من تخصيبها! هذا التأرجح السريع بين البروباغندا العسكرية النرجسية وعقلية الصفقات التجارية، جعل من واشنطن رأس الهرم في التناقضات الإنسانية والسياسية، ومصدراً تستلهم منه القوى الإقليمية أسوأ نماذج إدارة الأزمات عبر تزييف الوعي الممنهج.
​أولاً: عودة "الكاوبوي" التاريخي وإرث الإبادة والابتزاز
​إن السلوك السياسي الأمريكي المعاصر ليس وليد الصدفة, بل هو امتداد بنيوي لعقلية "الكاوبوي الحقيقي" (The Real Cowboy)؛ ذلك النموذج التاريخي الذي تأسست كياناته الأولى على إبادة السكان الأصليين، وإحلال المهاجرين واحتلال مقدراتهم بقوة السلاح الخشنة. هذا الإرث القائم على فرض الإرادة بالبطش والمال جرى تأطيره لاحقاً في قوالب مؤسساتية براقة، ليتحكم بالعلاقات الدولية وفق منطقين: إما تقديم "الولاء والجزية المالية" لنيل صكوك الرضا والتحالف، وإما العقاب والابتزاز والوصم بـ "الكيانات البائسة" لكل من يحاول الحفاظ على سيادته.
​وفي خضم التوترات العسكرية الأخيرة في المنطقة، انكشفت الثغرات البنيوية لهذه الهيمنة الأحادية بشكل فاضح؛ إذ تبخرت أوهام الحسم العسكري التي أطلقها الرئيس الأمريكي في الأيام الأولى للحرب حين أعلن بتبجح "إنهاء النظام الإيراني" بضربة قاصمة، ليتراجع الخطاب سريعاً نحو استجداء المفاوضات والبحث الحثيث عن منصة حوار مع قادة ذلك النظام عبر وسائط إقليمية ودولية لم يستطع الوصول إليها حتى اليوم.
​هذا التناقض السريالي يضع المنظومة الدولية أمام عجز حتمي: فإما أن إعلانات "الإنهاء" كانت محض أكاذيب لترميم الوعي الجمعي، وإما أن الإدارة الأمريكية قد اصطدمت بـ "استنزاف مميت في سياساتها العسكرية وخياراتها الخارجية" جعلها تلهث وراء هدنة مؤقتة؛ مِمّا يثبت أن الهجوم الرئاسي الشرس على الإعلام ليس إلا وسيلة لمداراة هذا الانكشاف، والتغطية على حقيقة أن التراجع لم يكن رغبة في السلام، بل خوفاً من الإنهاك الاقتصادي والعسكري أمام قوى دولية أخرى تترقب المشهد.
​ثانياً: النموذج العراقي.. الضحية الأكبر لـ "هندسة التجهيل"
​يُمثّل المشهد العراقي منذ عام 2003 وحتى اليوم النموذج الأكثر مأساوية لعولمة "منهج الكاوبوي"؛ فالاحتلال الأمريكي لم يجلب الديمقراطية أو البناء، بل هدم بنية الدولة ومؤسساتها، وشرّع عبر سلطة التحالف قوانين المحاصصة العرقية والطائفية كـ "كتالوج للفشل المنظم"، مُمكّناً مجموعات مصلحية وأطرافاً متنفذة من السيطرة على البلاد والتعامل مع ثرواتها وموازناتها الانفجارية كـ "مغانم حزبية وشخصية".
​لقد تعرض الشعب العراقي على مدى أكثر من عقدين من الزمان لعملية تجريف مالي واقتصادي مرعبة؛ حيث استنزفت وتبخرت مئات المليارات من الدولارات —منها نحو 750 مليار دولار في السنوات الثلاث الأخيرة الفائتة وحدها— دون أن يرى المواطن أي حسابات ختامية تكشف قانونياً أين ذهبت ثروات أجياله.
​ولإدامة هذا النهب، طُبّقت استراتيجية "الهندسة الاجتماعية للتجهيل والإجواع الممنهج"؛ حيث عُطلت أدوات الإنتاج بالكامل حتى عجزت البلاد عن صناعة عود ثقاب واحد، وحُوِّل المجتمع إلى نمط استهلاكي لاهث وراء معيشته وقوته اليومي، ليبقى المواطن في حالة عشوائية تمنعه من التفكير في المستقبل، أو محاسبة الفاسدين، أو التمسك بالحقوق التاريخية والحدود البرية والبحرية المستباحة (مثل قضية خور عبد الله وغيرها)، والتي فرطت بها الحكومات والبرلمانات المتعاقبة بالتواطؤ والتفاوض، متجاوزة قرارات القضاء الوطني بدلاً من إسنادها.
​ثالثاً: واجهات العمران الزائف وسوق "تبييض السمعة الدولية"
​في ظل هذا الانهيار البنيوي وغياب المقومات الأساسية من صحة وتعليم ورعاية، برزت آلية "تبييض السمعة عبر الإعلام الأجنبي" (Reputation Laundering)؛ إذ وظفت المنظومة الفاسدة المال السياسي لشراء أقلام كُتّاب وباحثين في مجلات الأمن القومي والمنصات الأمريكية والأوروبية، لصياغة سردية وردية و"واقع افتراضي" يتحدث بانبهار عن الاستقرار، والنمو الاقتصادي، وتشييد الأبراج الشاهقة والمولات والأسواق الفاخرة.
​إن هذه العمارات والأبراج الزجاجية ليست ملكاً للعراقيين ولا تخدم بنيتهم التحتية، بل هي مجرد واجهات استثمارية مشبوهة صُنعت كغطاء لعمليات "غسيل الأموال" المنهوبة من قوت الشعب. والهدف منها هو ذر الرماد في العيون، وتصدير صورة خادعة للرأي العام الدولي تفيد بأن المشهد يعيش طفرة إعمار، بينما الحقيقة على الأرض تشير إلى انفلات أمني، وتغول للسلاح، وتدمير تام للهوية الإنتاجية للبلاد.
​رابعاً: معضلة السيادة المفقودة وأكذوبة "الوطنية" والمستجدين
​تكتمل فصول هذه المسرحية السريالية عند تفكيك السلوك السياسي للطبقة الحاكمة ومن يدّعون معارضتها على حد سواء:
​السياسيون المتنفذون: يتبجحون بالديمقراطية والتمثيل الشعبي، بينما هم في الجوهر رهائن بيد "الأب الراعي" في واشنطن، الذي يمنحهم صكوك البقاء شريطة تأمين مصالحه الاستراتيجية والنفطية. وخير دليل على ذلك ما كشفه الإعلام العراقي مؤخراً من إملاءات علنية للمبعوث الأمريكي "توم باراك"، الذي دخل غرف المفاوضات السياسية ليأمر بسحب مرشحين لرئاسة الوزراء ويضع اليد العليا لاختيار المنظومة الحكومية وتشكيل الحكومات، ومع ذلك تدعي تلك القوى استقلال قرارها! بل إن بعض رموز هذه المنظومة وصلت بهم الدونية السياسية في عقود سابقة إلى تقديم أكاليل الزهور على قبور جنود الاحتلال وشكرهم على تضحياتهم وتسميتهم "شهداء" على حساب شهداء وطنهم، ولا يزال هؤلاء يمتلكون النفوذ الأكبر في تسيير المفاوضات واختيار الحقائب الوزارية في الحكومات المتعاقبة وحتى الأخيرة منها.
​المعارضة المستجدية (المفارقة المؤلمة): إن المشهد الأكثر إيلاماً يتجسد في اندفاع شخوص وقوى تدعي "المعارضة" نحو عواصم الغرب ومكاتب الإدارة الأمريكية، مستجدين ودّ المنظومة الدولية لتمكينهم من حكم العراق وإزاحة الفئة الحالية. إن هؤلاء يقعون في خطيئة التبعية ذاتها؛ فمن يطلب الحرية والتمكين من المحتل والسارق والمبتز لا يختلف في منطلقاته عمن يحكم الآن، لأنه يستمد شرعيته من الأجنبي لا من وعي الشعب العراقي وسواعد رجاله الوطنيين المخلصين، وهو ما يسهم في إجهاض أي حراك وطني شريف ينبع من رحم الداخل.
​قاعدة القانون الدولي: محاكمة المتسبب الأول
​تأسيساً على القاعدة القانونية والجنائية الراسخة: "المتسبب في الجريمة يُحاكم على ما آلت إليه الأسباب"؛ فإن العدالة تقتضي أنه حين يُحاكم شخص بجريمة قتل، لا تقتصر المحاكمة على اليد التي باشرت الفعل فحسب، بل تشمل من خطط، ومن حرض، ومن قدّم السلاح، ومن وضع القاتل في مكان الجريمة، ومن صمت وتواطأ للتغطية عليها.
​بناءً على هذا القياس القانوني العادل، فإن الولايات المتحدة الأمريكية ودول التحالف عام 2003، يتحملون المسؤولية الجنائية والتاريخية الكاملة عن كل قطرة دم هُدرت, وعن كل دينار ضاع، وعن كل سياسات التجهيل والإجواع والقمع التي يعانيها الشعب العراقي. إن الكيانات والأطراف المحلية المُمكَّنة ما كان لها أن تصمد يوماً واحداً، أو تتجرأ على تحدي إرادة الجماهير والالتفاف على القضاء ومحاربة النواب المستقلين والشخصيات الوطنية الشريفة، لولا الحماية الدبلوماسية والسياسية الدولية التي يسبغها عليها "الأب الراعي" في واشنطن.
​الاستنتاج والخاتمة
​إن العالم المعاصر يمر بحقبة من الانحطاط الإعلامي والسياسي المشترك، حيث نجح "رأس الهرم العالمي" في تدويل عقلية التزييف والتبعية؛ فرئيس الولايات المتحدة يصرخ ضد كذب إعلامه في واشنطن لحسابات شعبوية داخلية، ويبارك في الوقت عينه حكومة في بغداد سُلّمت فيها مقاليد الأمور لشخصيات تحوم حولهم ملفات فساد علنية وموثقة تمس حياة العراقيين وقوتهم اليومي، لمجرد أنها تضمن استمرار التخادم وتأمين المصالح الأجنبية.
​لكن الكلمة الفصل التي تُسجلها هذه الدراسة هي أن الواجهات الزجاجية والأكاذيب الإعلامية مهما عظم شأنها ودُفِع لتمويلها، فإنها أعجز من أن تصنع تاريخاً ثابتاً. إن الوعي الشعبي المتنامي، وقدرة النخب الوطنية المخلصة على تفكيك هذه الألاعيب وقراءة ما بين السطور، يظلان الحصن الأخير المتبقي لاسترداد كرامة الأوطان، وإعلان فشل "منهج الكاوبوي" أمام إرادة الشعوب الحية التي تأبى أن تُقاد بشكل عشوائي، وتصر على استعادة هويتها وصون سيادتها الكاملة غير المنقوصة

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا