الصمت النبيل
كتبت : أم عبدالوهاب
في هذا الزمن الذي تتكاثر فيه الأصوات كأمواجٍ بلا شاطئ،
لم يعد السؤال: من يتكلم؟
بل صار السؤال: من يُحسن الصمت حين يشتعل الكلام؟
كيف نعرف الإنسان المثقف من غيره؟
ليس في الكتب وحدها، ولا في الألقاب المعلّقة على الجدران،
بل في تلك اللحظة الصغيرة…
حين ينكسر داخله ويختار ألا يكسر غيره.
لحظة الغضب…
هناك يُختبر الإنسان كأن روحه توضع على ميزانٍ خفي،
فإما أن يعلو بها الحلم،
أو تسقط به الكلمة إلى هاويةٍ لا عودة منها.
في زمن السوشيال ميديا،
صارت الكلمات تُكتب بسرعة الضوء،
لكنها تسقط على القلوب ببطء الجراح.
بعضهم يفتح هاتفه ليكتب وجعه،
فيحوّله إلى ساحة حرب،
وبعضهم يكتب صمته،
فيحوّله إلى نجاة.
كم من علاقةٍ كانت دافئة،
ثم بردت بين منشورٍ وغضب،
وكم من صداقةٍ قديمة
تحولت إلى رمادٍ افتراضي
لا يشبه ما كان بين القلوب من ضوء.
الغريب أن الإنسان حين يغضب
يظن أنه ينتصر بالكلمة،
ولا يدري أنه يخسر نفسه أولًا.
فالكلمة ليست مجرد صوت…
إنها أثرٌ يمشي في الذاكرة،
إما أن يترك زهرًا،
أو يترك ندبة.
ويقال: تكلم حتى أراك…
وكأن اللسان نافذة الروح،
ينفتح منها الداخل بلا إذن.
فما أجمل الإنسان حين يكون أنيقًا حتى في خصومته…
أن يقف على حافة الألم ولا يسقط،
أن يختار أن يمرّ بهدوء بدل أن يجرح بعنف،
أن يكون صوته أقل ضجيجًا من غضبه.
الأناقة ليست في الشكل،
بل في القدرة على ألا نُهين أحدًا حين نُهان،
ولا نكسر أحدًا حين ننكسر.
نحن لا نحتاج كثيرًا لنكون جميلين،
نحتاج فقط أن لا نتحول إلى ما يؤذينا.
أن نزرع بدل أن ننتقم،
أن نصمت بدل أن نندفع،
أن نختار الكلمة التي تُشبهنا حين نهدأ،
لا تلك التي تُشبهنا حين نشتعل.
وفي النهاية…
يبقى الإنسان الحقيقي هو من يمرّ به الغضب
ولا يترك خلفه خرابًا في قلب أحد
التعليقات الأخيرة