news-details
مقالات

أسباب كثرة قسم الله تعالى بالوقت بقلم / محمـــد الدكـــروري

أسباب كثرة قسم الله تعالى بالوقت 
بقلم / محمـــد الدكـــروري
يحكى لنا الإمام ابن الجوزي نموذجا مشرقا من حياة أحد شيوخه، وهو الإمام أبو الوفاء ابن عقيل، فقال وكان دائم الإشتغال بالعلم حتى إني رأيت بخطه، إني لا يحل لي أن أضيع ساعة من عمري حتى إذا تعطل لساني عن مذاكرة ومناظرة، وبصري عن مطالعة أعمل فكري في حال راحتي وأنا مستطرح، فلا أنهض إلا وقد خطر لي ما أسطره، وإني لأجد من حرصي على العلم وأنا في عشر الثمانين أشد مما كنت أجده وأنا ابن عشرين، ويذكر أن الشيخ جمال الدين القاسمي رحمه الله مر بمقهى، فرأى روّاد المقهى وهم منهمكون في لعب الورق والطاولة وشرب المشروبات، ويمضون في ذلك الوقت الطويل فقال رحمه الله "لو كان الوقت يشترى لاشتريت من هؤلاء أوقاتهم" ولن يجد المؤمن المحب لله ورسوله حافزا أعظم من النظر في الكتاب والسنة، وكيف تحدثا عن الوقت، وحسبنا في مقامنا هذا إشارات عابرة إلى حديث القرآن عن الوقت، وكيف أبدا فيه وأعاد؟ 

 


ونوّع الأسلوب والخطاب، ومن ذلك هو كثرة قسم الله تعالى بالوقت في مواضع متعددة، والعظيم سبحانه لا يقسم إلا بعظيم، وإرتباط العبادات جميعها بمواعيد ومواقيت محددة من قبل العزيز الحميد، مما يرفع من أهمية الوقت في حياة المسلم، وعلى رأس تلك العبادات الصلوات الخمس، وكذلك الزكاة في وقت محدد، والصيام في وقت محدد، والحج في وقت محدد، وكذلك الأذكار والنوافل التي يتعبد بها المسلم إلى ربه في كل صباح ومساء، بل في كل حين وعلى كل حال، ومن الأساليب الحافزة للهمة في إغتنام الوقت وهو الإشادة بحُفاظ الوقت، الذين عمروه بما ينبغي أن يكون، ومن أساليب القرآن في التنويه بشأن الوقت أن الله تعالى بيّن أن هذه الحياة ليست لقضاء الوقت بشيء غير نافع، وإن من الأساليب العجيبة في حديث القرآن عن الوقت، حديثه عن الذين تندموا على ضياع وقتهم في غير مرضاة الله، اقرأ، وتدبر يا عبدالله كيف ذكر القرآن موقفين للإنسان يندم فيهما على ضياع وقته. 

 

 


حيث لا ينفع الندم، فالموقف الأول هو ساعة الإحتضار حيث يستدبر الإنسان الدنيا ويستقبل الآخرة ويتمنى لو منح مهلة من الزمن وأخر إلى أجل قريب ليصلح ما أفسده ويتدارك ما فات، وأما عن الموقف الثاني هو في الآخرة حيث توفى كل نفس ما عملت وتجزى بما كسبت ويدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، وهناك يتمنى أهل النار لو يعودون مرة أخرى إلى حياة التكليف ليبدؤوا من جديد عمل صالحا، وإن هناك معوقات في طريق حفظ الوقت، منها طول الأمل، وطول الأمل عجيب عند بعض الناس، فيقول أحد العلماء المعاصرين وقد أخبرني أحدهم فقال تعاقد أحد التجار مع شركة وهي شركة كافرة على بناء مصنع من المصانع، فقال لهم كم يمكن أن يستمر المصنع إذا أخذناه على أصل الأنواع والآلات؟ قالوا يمكن أن يعمل مائتي سنة، ونضمن لك أن المصنع ما يزال يعمل هذه المدة، قال وبعد هذا أقفله، وكذلك من المعوقات في طريق حفظ الوقت هو الجهل بقيمة الوقت. 

 


ومثلا بأن الموعود بوعد إذا ضرب له أجل يستكثر الأجل ويريد تعجيله، والموعد بوعيد إذا ضرب له أجل يستقل المدة ويريد تأخيرها، لكن المجرم إذا حُشر علم أن مصيره إلى النار فيستقل مدة اللبث ويختار تأخير الحشر والإبقاء في القبر، والمؤمن إذا حُشر علم أن مصيره إلى الجنة فيستكثر المدة ولا يريد التأخير فيختلف الفريقان ويقول أحدهما إن مدة لبثنا قليل وإليه الإشارة بقوله يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة ويقول الآخر لبثنا مديدا، وكذلك من المعوقات في طريق حفظ الوقت هو، ضعف الإرادة والعزيمة، وكما أن هناك داعمان لحفظ الوقت من القرآن وهما الرقابة الفردية والقرآن الكريم، فيدعو المسلم إلى تنمية الرقابة الذاتية ومحاسبة النفس، وذكر بعض الباحثين أن الإسلام لم يضع قواعد تفصيلية للرقابة الإدارية، ولم يحدد الأشكال الواجب إتباعها لتحقيق هذه الرقابة، وإنما ترك الأمر للتجربة والظروف الإجتماعية والإدارية للمجتمع المسلم" 

 


وإن كانت الآجال محدودة والأنفاس معدودة والأعمار قصيرة ولها إنقضاء، فما العمل؟ فهو أن تغتنمها وتنتهزها وتستغلها ولا تضيع منها لحظة ولا أقل ولا أكثر، وهكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال "اغتنم خمسا قبل خمس شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناءك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك" رواه الحاكم، وإن العاقل اللبيب ليتملكه العجب حين يرى من الناس من يفني عمره ويضيع أيامه وسنونه على كل أمر تافه وحقير من فضائيات تافهة ورحلات ماجنة وسهر على المعاصي وسمر غير مجد وتجوال لغير هدف ثم هو لا يشعر ولا يستشعر أنه يقضي على نفسه ويقربها من حتفها ثم هو لا يأسى ولا يندم ولا يستحسر على أيام ولت ولن تعود أبدا، يقول أبو بكر بن عياش "أحدهم لو سقط منه درهم لظل يومه يقول إنا لله ذهب درهمي، وهو يذهب يومه ولا يقول ذهب يومي ما عملت فيه"

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا