شهدت الثقافة السياسية في العراق، على مدار أكثر من عقدين، نمطاً متكرراً من الخطابات البروتوكولية التي تُلقى في المحافل العامة وتُسوق عبر منصات الإعلام الرسمي كإنجازات بلاغية كبرى، ولعل الهفوة المفاهيمية الأخيرة التي صدرت عن رأس السلطة التنفيذية وهو يخاطب النخبة الفنية العراقية بقوله "اكتبوا وأنا قلمكم"، لم تكن مجرد زلة لسان عابرة، بل هي عَرَض لأزمة معرفية وبنيوية أعمق تكشف عن فجوة دلالية وخلط وظيفي حاد بين أدوات التعبير، فالفنان يعبر بريشته ونغمته وإزميله، بينما القلم والصياغة وتوثيق المطالب هي من حصة الكاتب والصحفي والإعلامي، وهذا الاختزال الجاهل لطبيعة المنتج الإبداعي يحيلنا مباشرة إلى البحث في المطبخ السياسي المحيط بصناعة القرار، والدوائر المحكمة التي باتت تعزل المسؤول عن نبض الشارع الحقيقي.
إن هذه البداية غير الموفقة تضعنا أمام احتمالات واضحة؛ إما أن طبقة المستشارين تفتقر للعمق المعرفي والتخصصي، وإما أن المكتب الإعلامي غائب عن الحس النقدي ويعمل كمكبر صوت سطحي، وإما أن رأس السلطة يتحدث بمعزل عن الإدراك الحقيقي لأدوار النخب الثقافية، والنتيجة في كل الأحوال تؤكد أن رأس السلطة قد وضع لنفسه دائرة مغلقة تضم أناساً لا يفقهون ماهية العلاقات العامة الحديثة أو آليات الاستشارة السياسية والثقافية، وهؤلاء المستشارون ليسوا في الحقيقة سوى "خياطين متمرسين" يعيدون تدوير الأثواب القديمة والمستهلكة لمنظومة المحاصصة والمغانم، ثم يلبسونها زينة براقة وأثواباً جديدة لتقديمهما لرأس السلطة الحالي، وهي بذات الطراز والأسلوب الذي خِيطت به لأسلافه من قبل، ومن هنا، يسقط بعض الباحثين والمحللين والنخب في فخ الوهم السياسي عندما يروجون بجدية عن مساعٍ لحصر السلاح أو إصلاح مجالات الصحة والتعليم والاقتصاد، متناسين أن المقاربة الحالية تعتمد على نفس المعادلة العقيمة التي حكمت العراق طوال عقدين، والمعادلة نفسها لا يمكن لزاماً أن تنتج نتائج مغايرة بطموح هذا المجتمع المظلوم الذي عاث به الفساد الإداري والمالي والسلاح المنفلت والسرقات الممنهجة.
وأمام هذا العقم البنيوي، نتوجه بنقد صادق لأصحاب الأقلام والمنصات الذين يسرعون في صناعة تمثال ليعبدوه مديحاً وتبريراً مع بداية كل دورة حكومية، ثم يعودون عند أول بوادر الفشل وجوع النتائج ليأكلوه وينقلبوا عليه عبر الشاشات والمقالات، ممارسين بذلك ارتداداً صريحاً نحو جاهلية فكرية وسلوكية ترنح وعي المجتمع وتشرعن أداء الإدارات الفاشلة، في حين أن على الناقد الحقيقي والباحث رصد الوقائع والميكانيزمات الحركية على الأرض لا المراهنة على الوعود والخطابات الإنشائية الجوفاء، ولذلك ومن منطلق الأمانة الفكرية والمسؤولية المبدئية، نتوجه بنصيحة واقعية ومتاحة لراس السلطة الحالي، مستثمرين عقليته الشبابية والديناميكية التي طالما طمح إليها الشارع، ومفادها أن يمتلك الشجاعة لكسر الدائرة المحكمة المحيطة به فوراً، فالقراءة الدقيقة لتوازنات القوى والواقع السياسي في العراق تؤكد، بما لا يقبل الشك وبناءً على دروس التاريخ القريب، أن فرصة نيل دورة رئاسية ثانية هي مسألة شبه مستحيلة في ظل منظومة قائمة على التسويات الحزبية المتقلبة، وبالتالي فإن الرهان على إرضاء الأحزاب هو رهان خاسر، والخيار الأنبل والأكثر ذكاءً هو العمل على ترك بصمة وطنية وتاريخية حقيقية تليق بمسؤوليته، وبتاريخ عائلته، وبإرث قبيلته الأصيلة المحترمة التي تمتد جذورها في عمق التربة العراقية الشاملة، بسنتها وشيعتها، بلا تمييز مذهبي أو فئوي.
إن الأمل البسيط الذي يمكن بثه في نفوس العراقيين يبدأ من اتخاذ قرارات تنفيذية مباشرة وملموسة ضمن المساحة والهامش المتاح للحكم، وليس عبر الشعارات الرنانة، وذلك من خلال استقطاب كفاءات استشارية وطنية حقيقية قادرة على تقديم صوت الحقيقة وصياغة مواقف تلامس جراح المواطنين وتناغم الشارع العراقي بدلاً من تنفيره، مع التركيز على القطاعات الحيوية بإصدار قرارات مباشرة وحازمة لدعم البنى التحتية في التعليم والصحة وتوجيه المشاريع الخدمية للمناطق المحرومة بعيداً عن كواليس المحاصصة الحزبية، واستبدال الخطاب الشعبوي بالمصداقية والصراحة الجريئة التي تضع الشعب في صورة حدود الصلاحيات وحجم العقبات بدلاً من المضي في وعود إعلامية مستهلكة، فقد سقطت الأقنعة ولم يعد المجتمع العراقي يتقبل الوجبات الفكرية والسياسية المسمومة التي تُبرر الفساد الإداري والسلاح المنفلت، وطالما أن الجهل يأتي دائماً من خلال من يدعون العلم وهم في علمهم جاهلون، فإن الكرة اليوم في ملعب رأس السلطة؛ إما أن يمتلك شجاعة كسر دائرته المغلقة والانحياز لواقع شعبه وجذوره الأصيلة ليرسم جذراً لأمل حقيقي مستقبلي، وإما أن يرتضي لنفسه أن يكون مجرد رقم مكرر في سلسلة الحكومات السالفة التي سيذكرها التاريخ بأفعالها وبما خلفته من تراجع وخراب.
التعليقات الأخيرة