إصبع على الجرح .. الغدير والانقلاب وعاشوراء ..
بقلم : منهل عبد الأمير المرشدي ..
لا يمكن لقارئ التاريخ الإسلامي إن تجرد من موروثاته وعواطفه العقائدية إلا أن يقف مذهولا أمام مشهد الثامن عشر من ذي الحجة في العام العاشر للهجرة . حدث اسس لما بعده من انقلاب الأمة على قيم السماء ورسالة الحق .. غدير خم واد قاحل شديد الحرارة وخلال العودة من حجة الوداع جاء النبي الذي لا ينطق عن الهوى أن هو الا وحي يوحى . جاء بأمره الحازم صلى الله عليه واله بجمع عشرات الآلاف من المسلمين تحت هجير الشمس الحارقة وإعلان حالة الاستنفار في اللحظات الأخيرة من عمر الرسالة !!؟ هل كان الأمر بكل ما في حيثياته يمثل وضعا لحجر الأساس الذي يفترض أن يقوم عليه مستقبل الأمة بأسرها الحقيقة الصادمة التي يجب أن تطرح بجرأةهي أن حادثة الغدير لم تكن نتاج اجتهاد سياسي أو رغبة شخصية من الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) لتوريث ابن عمه بل كانت امتثالا صارخا لأمر إلهي حاسم ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ) . إن ربط الله تعالى عدم التبليغ بـبطلان الرسالة يوضح أن القضية ليست حدثا عابرا أو بلاغا عاطفيا . وعندما رفع النبي صلوات الله عليه يد الإمام علي بن ابي طالب عليه السلام قائلا : ( من كنت مولاه فهذا علي مولاه ) ، لم يكن هذا لسان بشر يتحرك بالعاطفة بل كان مصداقا للولاية الإلهية ولسان حال الوحي الذي ( لا ينطق عن الْهوى إِن هو إِلا وحي يوحى ). لقد كانت بيعة الغدير إعلانا عن امتداد الخط الرسالي وحفظا للمسيرة من التيه بعد غياب القائد . انها حقيقة كبيرة عابرة للمذهبية والدليل الاكبر على ولاية امير المؤمنين عليه السلام . من أكبر الأخطاء المعرفية المقصودة واللامقصودة والسائدة في غالبية المسلمين هي تصوير الغدير على أنه شأن شيعي خالص أو رواية اختصت بها فئة دون أخرى . الحقيقة التاريخية المؤكدة والتي تثبتها أمهات الكتب والمسانيد هي أن واقعة الغدير وبيعتها وتواتر حديثها حقيقة لا تقبل الشك في كتب وصحاح أهل السنة قبل الشيعة .
لقد رواه أحمد بن حنبل في مسنده والترمذي والنسائي والحاكم في المستدرك، وابن عساكر وضبط أسانيده جهابذة الحديث من مختلف المدارس . إنها حادثة بلغت حدّ التواتر القطعي الذي لا يمكن لثابت علمي أن ينكرها . لكن الأزمة لم تكن يوما في وقوع الواقعة بل في محاولات الالتفاف على معناها وتحجيم دلالة المولى لتعني مجرد المحبة والنصرة وكأن النبي صلى الله عليه واله جمع الأمة في الرمضاء ليقول لهم أحبوا عليا !!! إن بيعةالغدير هي مشروع الوحدة الذي تحول إلى فرقة أوصلت الأمة إلى الجرأة والنكران والارتداد والتجاوز على حرمة رسول الله في واقعة الطف في كربلاء .
إن القراءة المنصفة للتاريخ تؤكد أن الغدير كان المفترض أن يكون عنوانا لوحدة الأمة وصمام أمان يمنع التنازع على السلطة ومرجعية فكرية وسياسية معصومة تقود المجتمع الناشئ وتحميه من الارتداد إلى الجاهلية وقيمها القبلية. كان الغدير يمثل الشرعية الإلهية التي تحسم الجدل وتجمع الشتات .
فما الذي حدث ؟ وما الذي حوّل هذا الضمان الوحدوي إلى نقطة افتراق ؟ بصراحة نقول إن ما حدث هو الإنقلاب المبكر على مفاعيل هذه البيعة . لم يكد جسد النبي يوارى الثرى حتى تحركت الهواجس السياسية واستيقظت النوازع القبلية في السقيفة وجرى تقديم الحسابات المصلحية والاجتهادات البشرية على النص الإلهي القاطع . لقد تم إقصاء صاحب الغدير وتحت شعارات المصلحة العامة أو أن قريشا لا تجتمع لها النبوة والخلافة في بيت واحد . جرى الالتفاف على التعيين الإلهي بهذا الانقلاب الفكري والسياسي وهو الذي أسس لشرخ عميق فبدلا من أن تسير الأمة خلف مرجعية واحدة منصوص عليها تفرقت السبل وتحول الصراع على من يحكم إلى جرح نازف أدى لاحقا إلى كارثة الأمة في واقعة الطف بكربلاء وما بعدها وصولا إلى واقعنا المعاصر وهذه المذهبية المتعددة والمتنافرة والمتصارعة . إن العودة إلى الغدير اليوم ليست نبشا في أطلال الماضي بل هي استحضار للحقيقة الإلهية المغيبة . لقد كان الغدير بوصلة أضاعتها الأمة فتاهت في صحاري الخلافات والاعتراف بهذه البيعة ودلالاتها السياسية والروحية بجرأة وصراحة هو الخطوة الأولى لتفكيك العقد التاريخية وإعادة بناء وحدة الأمة على أسس الحق والعدالة التي أُعلنت في ذلك الوادي قبل أربعة عشر قرنا .. هي كلمة حق ليس إلا ...
التعليقات الأخيرة