من هنا نبدأ ... الهوية الوطنية والتعليم الدولي.كيف نبني مواطناً عالمياً دون أن نفقد جذوره الوطنية؟
د. م. مدحت يوسف
21 يونيو 2026
في خضم الجدل الدائر حول نتائج اختبارات مواد الهوية الوطنية في المدارس الدولية وما أظهرته بعض النتائج من عدم اجتياز أعداد من الطلاب لهذه الاختبارات تبرز أمامنا قضية تتجاوز حدود مادة دراسية أو نتيجة اختبار لتصل إلى أحد أهم ملفات الأمن القومي لأي دولة وهو ملف التعليم وبناء الهوية الوطنية.
دعونا نتفق منذ البداية أن التعليم ليس مجرد نقل للمعلومات أو اكتساب للمهارات بل هو الأداة الأهم في تشكيل شخصية الإنسان وصناعة انتمائه وترسيخ قيمه وثقافته ولغته ووعيه الوطني. فالأمم لا تُبنى بالاقتصاد وحده ولا بالتكنولوجيا فقط بل تُبنى أولاً بالإنسان الذي يعرف من هو وإلى أي وطن ينتمي وما هي قيمه وثوابته.
ومن هذا المنطلق فإن الحديث عن ضعف نتائج بعض الطلاب في مواد الهوية الوطنية يجب ألا يُنظر إليه باعتباره مشكلة طارئة أو وليدة اليوم بل هو نتيجة تراكمات امتدت لسنوات عديدة. فالدول التي تسمح بتطبيق أنظمة تعليمية دولية داخل أراضيها تضع منذ البداية لوائح وأنظمة واضحة تضمن الحفاظ على الهوية الوطنية بالتوازي مع الاستفادة من المزايا الأكاديمية التي تقدمها هذه الأنظمة.
وفي مصر كما في كثير من دول العالم توجد تشريعات ولوائح تنظم عمل المدارس الدولية وتلزمها بتدريس مواد الهوية الوطنية والالتزام بقوانين الدولة وثقافتها وقيمها. كما أن الاعتمادات الدولية التي تحصل عليها هذه المدارس تشترط احترام القوانين الوطنية للدولة المضيفة والالتزام بمواد الهوية الوطنية وعدم تعارض البرامج التعليمية مع ثقافة المجتمع الذي تعمل فيه المدرسة.
لذلك فإن التقاعس أو ضعف المتابعة خلال بعض الفترات السابقة لا ينبغي أن يكون مبرراً لعدم تصحيح المسار اليوم بل إن معالجة الأخطاء السابقة واجب وطني يجب أن يتم بروح علمية وبخطط مدروسة تحقق الإصلاح دون الإضرار بالطلاب أو المؤسسات التعليمية.
إن القضية الحقيقية ليست فقط في تدريس مواد الهوية الوطنية بل في كيفية بناء شخصية متوازنة تجمع بين العالمية والانتماء الوطني. فالهدف ليس إنتاج طالب يحفظ معلومات تاريخية أو جغرافية فحسب بل طالب يعتز بلغته العربية ويفخر بتاريخ وطنه ويفهم حضارته وفي الوقت نفسه يمتلك مهارات القرن الحادي والعشرين وقادر على المنافسة عالمياً.
ومن هنا أقترح أن تتبنى وزارة التربية والتعليم خطة وطنية تمتد لمدة لا تقل عن خمس سنوات لتصحيح المسار بصورة تدريجية ومنظمة. تبدأ الخطة بالتركيز الكامل على المراحل المبكرة من التعليم من رياض الأطفال وحتى الصف الثالث الابتدائي حيث تكون عملية غرس الهوية الوطنية أكثر سهولة وتأثيراً. وفي الوقت نفسه يتم رفع مستوى الالتزام بمواد الهوية الوطنية تدريجياً في المراحل الأعلى حتى تصل جميع المدارس إلى التطبيق الكامل دون إرباك للطلاب أو أولياء الأمور.
كما ينبغي أن تتجاوز المعالجة مجرد تدريس المواد المقررة إلى بناء بيئة تعليمية كاملة تعزز الهوية الوطنية من خلال الأنشطة المدرسية والمشروعات الطلابية والرحلات التعليمية والاحتفالات الوطنية والخدمة المجتمعية والبرامج الثقافية التي تجعل الانتماء ممارسة يومية وليس مجرد مقرر دراسي.
وفي المقابل يجب أن نعترف بأن وجود الأنظمة التعليمية الدولية داخل مصر يمثل قيمة مضافة مهمة. فهي توفر معايير عالمية للتعليم وأساليب تدريس حديثة وطرق تقييم متنوعة تتناسب مع الفروق الفردية بين الطلاب كما تمنح أبناءنا فرصاً أكبر للالتحاق بالجامعات العالمية والتفاعل مع الثقافات المختلفة. ولذلك فإن المطلوب ليس محاربة التعليم الدولي بل إعادة تنظيم العلاقة بينه وبين الهوية الوطنية بصورة أكثر توازناً وفاعلية.
وهنا نصل إلى قضية ربما تكون أكثر أهمية من نتائج اختبارات الهوية الوطنية وهي محتوى بعض المناهج الدولية نفسها. فهذه المناهج يتم إعدادها من قبل مؤسسات وشركات عالمية تنطلق بطبيعة الحال من رؤيتها الفكرية والثقافية والقيمية الخاصة. وقد تتضمن بعض الموضوعات أو الرسائل أو المفاهيم التي لا تتوافق بصورة كاملة مع ثقافة المجتمع المصري أو أولوياته الوطنية.
ولا يعني ذلك رفض هذه المناهج أو التشكيك في قيمتها الأكاديمية بل يعني ضرورة وجود آلية وطنية علمية تقوم بالمراجعة المستمرة للمحتوى الدراسي وتحليل الرسائل الفكرية والثقافية التي يتلقاها الطلاب بشكل مباشر أو غير مباشر داخل المواد المختلفة.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى إنشاء مركز وطني للمناهج والهوية التعليمية تكون مرجعيته للدولة ويضم خبراء في التربية وعلم النفس والاجتماع والتاريخ واللغة والأمن الفكري والعلاقات الدولية. ويتولى هذا المركز مراجعة المناهج الوطنية والدولية وتقديم التوصيات اللازمة لضمان توافقها مع الهوية المصرية ومتطلبات المستقبل في الوقت نفسه.
كما أقترح أن يتم إعداد أطر وطنية موحدة للهوية المصرية تلتزم بها جميع الأنظمة التعليمية المطبقة داخل الدولة سواء كانت وطنية أو أمريكية أو بريطانية أو كندية أو غيرها بحيث تظل القيم الوطنية والثوابت الثقافية حاضرة في جميع المسارات التعليمية.
ومن الأفكار المهمة أيضاً تدريس التاريخ المصري والدراسات الاجتماعية المصرية باللغة الإنجليزية داخل المدارس الدولية. فالقضية ليست في لغة التدريس بل في وصول الرسالة الوطنية للطالب بصورة عميقة ومؤثرة. وعندما يتعلم الطالب تاريخ بلاده وحضارتها ولغتها وقضاياها بلغة عالمية فإنه يصبح أكثر قدرة على تمثيل وطنه أمام العالم والدفاع عن هويته بلغة يفهمها الجميع.
إن العالم اليوم لا يحتاج إلى أجيال منغلقة على ذاتها كما لا يحتاج إلى أجيال منقطعة الجذور. بل يحتاج إلى مواطن عالمي يمتلك القدرة على التواصل مع العالم وفي الوقت نفسه يحمل هوية وطنية راسخة لا تتزعزع أمام المتغيرات.
إن التحدي الحقيقي أمامنا ليس النجاح في اختبار الهوية الوطنية بل النجاح في بناء الإنسان المصري الذي يعرف تاريخه ويحترم قيمه ويعتز بلغته ويفهم حضارته ويستطيع في الوقت نفسه أن ينافس عالمياً في العلوم والتكنولوجيا والاقتصاد والمعرفة.
ولهذا فإن ملف الهوية الوطنية في التعليم الدولي يجب أن يُدار برؤية استراتيجية طويلة المدى لا بردود أفعال مؤقتة. فالقضية ليست قضية مادة دراسية بل قضية أجيال ومستقبل وطن.
وعندما ننجح في تحقيق هذا التوازن سنكون قد حققنا المعادلة الأصعب والأهم:
شخصية عالمية بعقل منفتح وهوية وطنية راسخة.
DrEng Medhat Youssef Moischool خطى الوعي
وزارة التربية والتعليم المصرية مجلس النواب المصري - Parliament of Egypt رئاسة مجلس الوزراء المصري AbdelFattah Elsisi - عبد الفتاح السيسي المتحدث الرسمي لرئاسة الجمهورية-Spokesman for the Egyptian Presidency وزارة التعليم العالي والبحث العلمي المصرية
التعليقات الأخيرة