ماتت الأخلاق ... ونحن من قتلها
بقلم : معز ماني . تونس .
حين تموت شجرة في الغابة، يبحث الناس عن الحطّاب، أمّا حين تموت الأخلاق في مجتمع كامل، فإنّ الجميع يرفع إصبع الاتهام نحو الجميع، وكأنّ الجريمة وقعت على يد شبح مجهول، لا على أيدي الملايين الذين شاركوا فيها بالصمت أو التبرير أو المنفعة أو الخوف.
لقد أصبحنا نعيش زمنا غريبا؛ زمنا تشيّع فيه القيم إلى مثواها الأخير كلّ يوم، بينما يقف المشيّعون أنفسهم فوق قبرها يتبادلون الخطب الرنّانة عن الفضيلة والشرف والاستقامة.
ماتت الأخلاق ... لا لأنّ الكتب توقّفت عن الحديث عنها، بل لأنّ الواقع صار يسخر من الكتب،ولا لأنّ الناسَ جهلوا معناها، بل لأنّ كثيرين اكتشفوا أنّ الالتزام بها أصبح في بعض البيئات رفاهيةً لا يقدر عليها الفقير، ولا يكافأ عليها الشريف، ولا ينجو بها الصادق.
فحين يصبح الفساد طريقا مختصرا للنجاح، والنفاق سلّما للترقّي، والكذب مهارة اجتماعية، والاحتيال نوعا من "الذكاء"، لا تعود الأخلاق ضحية أفراد منحرفين، بل ضحية نظام كامل يعاقب الفضيلة ويكافئ الرذيلة.
لقد نجحت عقود طويلة من السياسات الفاشلة في صناعة مواطن خائف ومحبط ومنهك. مواطن يقضي نصف عمره يبحث عن لقمة العيش، والنصف الآخر يبحث عن تفسير لما يحدث حوله.
والإنسان حين يدفع إلى حافة اليأس باستمرار، لا يبقى دائما ذلك الكائن المثالي الذي تتحدّث عنه الخطب. فالفقر ليس مجرد نقص في المال؛ إنّه في كثير من الأحيان آلة طحن نفسيّ وأخلاقيّ هائلة، تحوّل العلاقات إلى مصالح، والصداقة إلى منفعة، والكرامة إلى سلعة قابلة للمساومة.
ومع كلّ أزمة اقتصادية جديدة، كان شيء من الثقة يسقط من البناء الاجتماعي. والثقة ليست تفصيلا صغيرا في حياة الأمم؛ إنّها الأسمنت الذي يربط الحجارة بعضها ببعض. فإذا انهارت، تحوّل المجتمع إلى كومة من الأفراد المتجاورين لا المتعاونين.
اليوم أصبح كثير من الناس لا يثقون في السياسي، ولا في الإعلامي، ولا في التاجر، ولا في الموظف، ولا في المؤسّسات، وأحيانا لا يثقون حتى في بعضهم البعض.وحين تموت الثقة، تولد الآنا.ذلك الوحش الصغير الذي يكبر داخل الإنسان حتى يبتلع كلّ شيء.تصبح المصلحة دينا،والمنفعة عقيدة،والذات وطنا.
ويتحوّل السؤال من "ما الصواب؟" إلى "ما الذي سأستفيده؟" .فالجريمة لا تبدأ من السلاح، بل من الفكرة.
والعنف لا يبدأ من القبضة، بل من القلب حين يفقد قدرته على رؤية الآخرين بشرا مثله.
والفساد لا يبدأ من الخزائن الكبرى، بل من اللحظة التي يقتنع فيها الإنسان أنّ النزاهة غباء، وأنّ الخداع هو الطريق الأسرع للنجاة.والأخطر من كلّ ذلك أنّ المجتمعات حين تعتاد الانحدار الأخلاقي، تفقد قدرتها على الشعور بالصدمة. يصبح الخبر الذي كان يهزّ الضمائر قبل سنوات خبرا عاديا. وتصبح الممارسات التي كانت ترتكب خفية جزء ا من المشهد اليومي.
وهنا تبلغ الأزمة ذروتها،ليس عندما تنتشر الرذيلة،بل عندما تفقد الفضيلة قدرتها على إثارة الإعجاب.
عندما يصبح الشريف استثناء،والفاسد قاعدة،والصادق ساذجا،والمنافق واقعيا .
في تلك اللحظة لا نكون أمام أزمة أخلاق فحسب، بل أمام تصدّع حضاري شامل.
فالأمم لا تسقط يوم تضعف اقتصاداتها فقط، ولا يوم تخسر معركة عسكرية، بل يوم يتآكل رصيدها الأخلاقي الذي يجعل أفرادها قادرين على التعاون والتضحية والثقة والعمل من أجل مستقبل مشترك.
إنّ الحضارات لا تهدم دائما بالقنابل؛ أحيانا تهدم بالأنانية.ولا تدفن دائما تحت الأنقاض؛ أحيانا تدفن تحت أكوام التبريرات.
ولهذا فإنّ السؤال ليس من قتل الأخلاق؟ فنحن نعرف القتلة،بعضهم سرق،وبعضهم كذب،وبعضهم ظلم،وبعضهم برّر،وبعضهم صمت.والصامتون في جنازات القيم كثيرون دائما.
لكن السؤال الحقيقي هو؛هل ما زال في هذه الأمّة ما يكفي من الشجاعة للاعتراف بالجريمة قبل أن يتحوّل الانهيار الأخلاقي إلى انهيار شامل يلتهم الاقتصاد والسياسة والتعليم والثقافة والأسرة معا ؟
لأنّ الأمم قد تنجو من الفقر،وقد تتعافى من الهزائم،وقد تعيد بناء المدن المهدّمة.لكنّها إذا فقدت البوصلة الأخلاقية التي تهديها الطريق، فإنّها تسير بسرعة أكبر نحو الهاوية، وهي تظنّ أنّها تتقدّم .
التعليقات الأخيرة