كتبت /منى منصور السيد
تمثل اللحظات التاريخية الحاسمة في حياة الأمم فواصل زمنية جوهرية تُعيد تشكيل هوية الدول وتحدد مسارات مستقبلها، وهو المنطلق الأساسي الذي يتجلى بوضوح في المقال التحليلي الرصين لمعالي اللواء أركان حرب سمير فرج حول أحداث ثورة الثلاثين من يونيو. فالواقع الذي يطرحه لا يقف عند حدود السرد التاريخي للحدث، بل يغوص عميقًا في تفكيك المخططات الاستراتيجية التي كانت تستهدف بنية الدولة المصرية، وصولاً إلى استشراف ملامح التنمية الشاملة التي صاغت مفهوم "الجمهورية الجديدة".
وتكمن القيمة الحقيقية للطرح في القدرة على استخدام منهجية التحليل الاستراتيجي القائم على فرضية "السيناريو البديل"، متسائلاً عما كانت ستؤول إليه الأمور لولا هذا الحراك الشعبي المدعوم من المؤسسة العسكرية. ومن خلال هذا التساؤل، يتضح بوضوح الصدام الحتمي بين عقيدتين: عقيدة الجيش الوطني القائمة على الولاء المطلق للدولة والتراب الوطني بمفهومه المؤسسي الراسخ، وعقيدة التنظيم الأيديولوجي العابر للحدود الذي يسعى لإحلال ميليشيات طائفية محل الجيش النظامي. وتكتسب هذه الجزئية زخمًا خاصًا عبر الكشف عن تفاصيل اللقاءات التوثيقية التي جرت في تلك الفترة لإعادة هندسة الأمن القومي وفق حسابات مشروع الخلافة الإقليمي.
ولم يفت المقال تفنيد المقولات المضادة التي حاولت تشويه الإرادة الشعبية، حيث تمت إعادة صياغة المفهوم الدولي لما حدث بالاستناد إلى "شرعية الأرقام والمشاهد الدالة"، لافتًا إلى أن خروج الملايين مدعومًا باثنين وعشرين مليون توكيل شعبي يمثل الاستفتاء الأقوى والبرهان القاطع على أن تدخل القوات المسلحة كان تلبية لنداء الهوية الوطنية، وليس قفزًا على السلطة. هذا الدعم الشعبي فتح الباب على مصراعيه لإعادة صياغة السياسة الخارجية على أسس من التوازن والندية مع القوى الدولية الكبرى، مخرجًا الدولة من نفق الاستقطاب الضيق إلى رحابة الشراكات الاستراتيجية المتعددة.
وفي الشق التنموي، تميز المشهد بالانتقال من الشعارات السياسية إلى المقارنات الرقمية الدالة؛ حيث تبرز مقارنة تاريخية كاشفة لحجم الإنجاز في ملف استصلاح الأراضي، توضح أن الرقعة الزراعية التي زادت بمقدار ثلاثة ملايين فدان فقط على مدار أكثر من سبعة عقود، شهدت طفرة استثنائية بإضافة أربعة ملايين ونصف المليون فدان في مشروع الدلتا الجديدة وحده. هذا الرصد الرقمي، إلى جانب الإشارة لمبادرات "حياة كريمة" و"100 مليون صحة"، يرسخ مفهومًا جديدًا للمواطنة يقوم على الارتقاء بجودة الحياة كحق إنساني أصيل.
إن الخلاصة الاستراتيجية التي ينتهي إليها هذا المشهد تتمثل في صياغة معادلة التلازم بين البناء والقوة. فالتنمية الشاملة والمدن الجديدة والمشروعات الزراعية العملاقة لا يمكن أن تستدام دون وجود درع عسكري قوي يحمي المقدرات ويصون الأرض. وهكذا، تظل هذه الثورة في عمقها الفكري والعملي هي نقطة التحول الاستراتيجي التي أنقذت الدولة الوطنية من التفكك، لتمنح الأجيال الجديدة وطنًا يمتلك مقومات السيادة، ويسير بثقة في معركة البناء والتنمية.
ثورة شعب ودولة من ظلمات التفكيك إلى أنوار الجمهورية الجديدة
مراجعة وصياغة الدكتور مجدي كامل الهواري
مراجعة لغوية وتحريرية وتدقيق المغيره بكري
جريدة الأضواء المصرية
التعليقات الأخيرة