news-details
مقالات

من الشعاراتية إلى الاستثمار السياسي: تفكيك بنيوية المنظومة الأمنية والسياسية في العراق (1979 - 2026) إعداد/ عدنان صگر الخليفه

مقدمة الدراسة
​تُمثّل دراسة التحولات البنيوية في المنظومة الأمنية والسياسية العراقية مدخلاً أساسياً لفهم آليات تفكك وتجريف المفاهيم السيادية، وكيفية ارتداد القرارات الاستراتيجية العليا على الواقع الاجتماعي والعسكري للبلاد. إن تتبع المسار التاريخي المعاصر للعراق، وتحديداً منذ الانعطافة التاريخية عام 1979 وصولاً إلى الراهن المعاش، يكشف عن معادلة قلقة تحكمت بمصير الدولة ومقدراتها، حيث تداخلت فيها الشعاراتية العقائدية المفرطة مع البراغماتية النفعية المتأخرة.
​تنطلق هذه الدراسة من فرضية أساسية مفادها أن النكبات العسكرية والانهيارات الأمنية التي شهدها العراق لم تكن نتاج عجز في الإمكانات المادية أو قلة في الكفاءات البشرية، بل كانت نتاجاً حتمياً لخراب الهياكل القيادية، وتسييس المؤسسة العسكرية، وكسر قوانين التراتبية الضابطة للعمل الأمني. وتعد هذه الدراسة وثيقة تحليلية متكاملة تسعى لتفكيك هذه المسارات بجرأة موضوعية وبأدوات القراءة العلمية، لتغوص في عمق الآليات التي حوّلت السلاح والقرار الأمني من درع لحماية السيادة إلى أداة للجباية، والابتزاز، والاستثمار الحزبي الفئوي.
​الانعطافة التاريخية وجذور العشوائية (1979 - 1991)
​شهدت نهاية سبعينيات القرن الماضي ذروة الصعود الاقتصادي والمادي للعراق، حيث كانت الدولة تمتلك بنية تحتية واعدة ومؤسسات متطورة مسنودة بوفرة مالية وقوة بشرية مؤهلة. ومع الدخول في عقد الثمانينيات، واجه الجيش العراقي اختباراً مصيرياً أظهر فيه شجاعة واستبسالاً وبسالة قتالية فائقة وتفوقاً تكتيكياً لم يكن يتوقعه الأعداء ولا الخصوم الإقليميون؛ حيث تمكنت المؤسسة العسكرية بعقيدتها الوطنية الصلبة وانضباطها العالي من حماية حدود البلاد وإفشال مشاريع التمدد الخارجية على مدى ثماني سنوات من القتال الضاري، مسجلةً ملاحم عسكرية أثبتت كفاءة المقاتل العراقي وصبره وتفوقه الميداني في الذود عن تراب وطنه.
​إلا أن التحول الكارثي اللاحق لم يكن نابعاً من خلل بنيوي في كفاءة هذا الجيش أو قدرته على التضحية، بل كان نتاجاً لخلل قيادي استراتيجي تمثل في عدم إدراك الحسابات العسكرية والجيوسياسية المعقدة، وتحديداً في مغامرة عام 1990 وما تلاها في حرب عام 1991. في تلك الحرب، أُريد لهذا الجيش العقائدي الباسل أن ينكسر انكساراً قوياً وشاملاً بقرار ومؤامرة دولية، بعد أن وُضع مجبراً في مواجهة عسكرية مستحيلة ضد تحالف دولي غير مسبوق ضم ما يقارب ثلاثاً وثلاثين دولة، بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية وأغلب الدول الأوروبية والعظمى، فضلاً عن قوى إقليمية وعربية.
​من منظور علم العسكرية، يغدو من المستحيل على أي جيش في العالم -مهما بلغت شجاعته وقوته- أن يصمد أو يحقق نصراً في معركة انعدم فيها تماماً الغطاء الجوي، وحُرم فيها من العتاد والتجهيز الحديث، في مقابل قوى دولية هاجمته بأحدث الترسانات التكنولوجية والأسلحة الذكية، بل وحتى الأسلحة المحرمة دولياً. إن انكسار عام 1991 لم يكن انكساراً للإرادة القتالية للجندي العراقي الذي واجه الموت بصدور عارية واستبسال منقطع النظير، بل كان نتاجاً لطبيعة المعركة الكونية المفروضة عليه وسوء التقدير القيادي الأعلى من الناحيتين السياسية والاستراتيجية.
​هيمنة المنظومة الحزبية وتفكيك الإرادة (1991 - 2003)
​تجلت المأساة الحقيقية التي تعرضت لها المؤسسة العسكرية المهنية في تسعينيات القرن الماضي من خلال إخضاعها المباشر للمنظومة الحزبية المقيدة؛ حيث جرى تسليم مقادير القرار العسكري والأمني لشخوص يحملون رتباً عليا في الحزب الحاكم، دون أن يمتلكوا الأهلية أو المهنية العسكرية الحقيقية. وبموجب هذا التداخل المشوه، جُردت القيادات العسكرية المحترفة وخريجو كليات الأركان العريقة من سلطة القرار الفعلي، لتصبح المؤسسة برمتها خاضعة لإشراف وتوجيه اللجان الحزبية التي قدمت الولاء الأيديولوجي على الكفاءة والضبط العسكري.
​أنتجت هذه الهيمنة الحزبية واقعاً مريراً من الإذلال الداخلي الممنهج للمؤسسة، حيث عانى المقاتل والضابط المهني من وطأة الحصار الاقتصادي وشظف العيش من جهة، ومن تعسف ومراقبة الشخوص الحزبيين الذين نظروا إلى الجيش بريبة وخوف من جهة أخرى. هذا العمى القيادي وعدم إدراك ما يجري داخل المنظومة الأمنية والعسكرية من انكسار نفسي وامتهان لكرامة حماتها، أدى إلى خلق فجوة سحيقة بين خطابات السلطة الشعاراتية المنفصلة عن الواقع، وبين وجدان المقاتل الذي تم تفكيك عقيدته الدفاعية من الداخل.
​ولم يكن السقوط السريع للعاصمة بغداد وااحتلال العراق في أيام معدودة عام 2003 نتاجاً لتفوق الآلة العسكرية الغربية فحسب، بل كان النتيجة الحتمية والمنطقية لهذا الإذلال والتآكل الداخلي الممنهج. فعندما حانت لحظة المواجهة الكبرى واقتربت الجيوش الأجنبية من الحدود، رفض ذلك العسكري الباسل أن يستبسل أو يضحي بحياته في سبيل الدفاع عن منظومة حزبية أوصلته وأوصلت عائلته إلى حافة الجوع والانكسار. إن غياب الدفاع عن الوطن في تلك اللحظة لم يكن عجزاً عن القتال، بل كان تعبيراً صامتاً من القطعات والقوات عن رفض الموت لحماية شخوص صادروا قرارهم وأذلوا تاريخهم، لينهار الهيكل الدفاعي للدولة بالكامل ويدخل العراق حقبة الاحتلال والفوضى ومشاريع الحل الخارجي الجائر.
​استنساخ المنهج القديم وتعميق العِلّة (ما بعد 2003)
​أحدث التغيير العسكري عام 2003 فراغاً سيادياً ومؤسساتياً هائلاً نتيجة حل الدولة والجيش، لينشأ على الأنقاض نظام سياسي قائم على فلسفة المحاصصة الفئوية والمكوناتية. وهنا تكمن المفارقة التراجيدية الكبرى؛ إذ إن المنظومة الحالية المتسلمة لمقادير الحكم بعد عام 2003 سارت على نفس المسار القديم بحذافيره، ولم تبادر إلى تصحيح أخطاء الماضي وعثراته، بل زادت في علّتها ورسخت ذات المنهج الإقصائي في التحكم بالمنظومة العسكرية والأمنية. وجرى استبدال الحزب الواحد بالأحزاب المتعددة، لتبقى النتيجة واحدة وهي مصادرة القرار المهني لصالح الولاء الضيق.
​ولأجل تثبيت هذا النفوذ المستحدث في أرض خصبه، لجأت هذه القوى إلى نسج قصص وبطولات ماضوية مستحدثة وتغليفها برداء ملحمي، مدعية عنفواناً وشجاعة بأثر رجعي في مقارعة النظام السابق، علماً أن هذه التحركات والبطولات المزعومة لم تكن ذات أثر حقيقي في بنية المنظومة الشمولية الصلبة التي حكمت البلاد لعقود بالحديد والنار. أدى هذا الاستثمار في الوهم التاريخي وتسويقه للعاطفة الشعبية إلى إحلال الولاء الحزبي والطائفي بدلاً من العقيدة الوطنية المهنية في بناء الأجهزة الأمنية والجيش الجديد، ليتكرر الخراب الهيكلي وتتحول المؤسسات السيادية إلى كعكة تتقاسمها الكتل السياسية لتثبيت نفوذها وتأمين مكاسبها المادية، وتفشت ظاهرة الجيوش الفضائية على الورق وغابت فاعليتها وقدرتها القتالية في الميدان الحقيقي عند أول اختبار.
​الاختبار الميداني وعورة النظام (منعطف حزيران 2014)
​توجت سنوات الفساد والمحاصصة والبطولات الوهمية بأكبر نكسة عسكرية وأمنية في تاريخ العراق المعاصر متمثلة في أحداث حزيران 2014 وضياع ثلث مساحة البلاد لصالح تنظيم داعش. لقد مثل سقوط الموصل والمحافظات الأخرى المختبر العملي والدليل الدامغ الذي عرّى كذب الشعارات وزيف ادعاءات الشجاعة والعنفوان لمن تسلموا مقادير الحكم بعد عام 2003. فعلى الورق، كانت محافظة نينوى وحدها تضم أربع فرق عسكرية وأمنية متكاملة من الجيش والشرطة الاتحادية والمحلية وحشود حمايات المسؤولين، وتمتلك ترسانة هائلة من الأسلحة والمدرعات وغطاءً مالياً ضخماً ونفوذاً حكومياً مطلقاً، إلا أن هذه القوة العملاقة تبخرت وانهارت بين ليلة وضحاها أمام بضع مئات من المسلحين الهواة الذين لم يتجاوزوا في صدمة الهجوم الأولى حدود الألف مقاتل.
​يكشف هذا الانهيار المأساوي عن سوء سلوك السلطة الحاكمة وأجهزتها في التعامل مع المجتمع، مما أفقدها الحاضنة الشعبية، كما كشف عن غياب العقيدة العسكرية المحترفة لدى القيادات الميدانية المحاصصاتية التي فضلت الانسحاب والهروب تاركة الجنود والقطعات بلا أوامر واضحة وبلا غطاء، مما أسفر عن كوارث إنسانية وفجائع مروعة كمجزرة سبايكر وغيرها. ولم يدفع السياسي أو الحزبي ثمن هذا الفشل الذريع من قصوره المحصنة في العاصمة، بل كان الثمن دماء الشعب العراقي الزكية من الشباب المتطوعين الذين هبوا بدافع العقيدة الوطنية الصادقة لتدارك الانهيار وإعادة تحرير الأرض، مما يثبت بالوجه القاطع أن المنظومة التي تعجز بكامل ترسانتها عن الصمود هي منظومة فاشلة بنيوياً تحركت بالجشع وتغطت بالزيف.
​إستراتيجية الإذلال والفساد المستدام (الواقع المعاصر)
​امتد الفشل البنيوي للمنظومة الأمنية في واقعنا المعاصر ليشمل سلوكاً ممنهجاً تعتمده بعض القيادات العسكرية والشرطة الاتحادية لحماية عروشها ومكاسبها المادية. ويتمثل هذا السلوك في تعمّد إذلال المراتب والجنود والرتب الدنيا داخل معسكراتهم ومقراتهم، وممارسة شتى أنواع السخرة والتعسف والإهانات بحقهم لتجريف كبريائهم وعنفوانهم. إن هذا الإذلال ليس مجرد غطرسة فردية أو سوء إدارة، بل هو إستراتيجية دفاعية مقصودة تهدف إلى صناعة تابع خاضع ومكسور نفسياً لا يجرؤ على التساؤل أو الاعتراض، وبالتالي عزل أي صوت شريف يمتلك الشجاعة لكشف الفساد المستشري، أو السؤال عن سرقة الأرزاق والتجهيزات، وشبكات الفضائيين، وبيع الإجازات المستحقة.
​تكاملت أرضية هذا الفساد المستدام مع الخراب التنظيمي الكبير الناجم عن كسر التراتبية العسكرية العريقة وضياع مفهوم الضبط والربط العسكري. إذ جرى إسناد دفة القرار وأعلى مفاصل الوزارات الأمنية والأجهزة السيادية لشخصيات مدنية فرضتها المحاصصة، أو لضباط من رتب دنيا جداً في السلك العسكري قفزوا فجأة بفعل الولاء الحزبي ليتحكموا برقاب جنرالات وقادة حقيقيين قضوا عقوداً من الخدمة والتدرج المهني المحترف. إن وضع الرتب الصغيرة على رأس الهرم العسكري أنتج مركب نقص حاد، فغابت الرؤية الاستراتيجية والقيادة بالقدوة، وتحول تنفيذ الأوامر من قبل القادة المهنيين إلى امتثال آلي بيروقراطي أجوف خالٍ من الروح القتالية، وتجسد هذا التخبط والزرع العشوائي في الفوضى وسوء المعاملة التي شهدتها قطعات حيوية كسرية حراسات الفرقة الخامسة للشرطة الاتحادية وغيرها من الصنوف والوحدات.
​وحدة النتائج وانعكاسها على الشارع العراقي
​لا يقتصر أثر هذا التدمير الممنهج لعقيدة المقاتل على صنف عسكري دون غيره، بل تتطابق وتتشابه النتائج الكارثية عبر كافة مفاصل القوات الأمنية والاستخبارية والخدمية في الدولة. فعندما تُباع المناصب القيادية وتُشترى بالمال والولاءات الحزبية المسبقة، يتحول المنصب العسكري من مسؤولية وطنية إلى مشروع استثماري تجاري يسعى صاحبه لاسترداد ما دفعه من أموال وتحقيق أرباح مضاعفة على حساب قوت المنتسبين وراحتهم. ويؤدي غياب المحاسبة والحماية الحزبية للفاسدين إلى تفكك السلم المجتمعي والعمى الاستخباري، حيث تنشغل الأجهزة بحماية نفوذها السياسي وتمرير التقارير المفبركة الكاذبة بدلاً من ملاحقة الجريمة المنظمة وشبكات التهريب والمخدرات.
​يظهر الانعكاس الأكثر خطورة لهذا الواقع في تفاصيل الحياة اليومية للمواطن العراقي، فالمنتسب أو الشرطي المذلول والمستنزَف مالياً من قبل آمريه يفقد إيمانه بقيمة القانون وبشرف البدلة العسكرية، ويعمد تلقائياً إلى تعويض كرامته المهدورة وضائقته المادية عبر ممارسة نفس سلوك الإذلال والابتزاز على الحلقة الأضعف في الشارع وهو المواطن العادي. وهكذا يتحول السلاح من أداة لإنفاذ القانون وحماية الأرواح إلى أداة للجباية الفاسدة وفرض الأتاوات وتمرير المخالفات، لتصل الدولة في محصلتها النهائية إلى نموذج المظهر الجوف؛ هيكل ضخم ومترهل يمتلك آلاف الآليات والرتب المرصعة بالنجوم على الشاشات، ولكنه هش ومنخور من الداخل ومجرد من العقيدة والشرف المهني والعدالة.
​خاتمة الدراسة
​تخلص هذه الدراسة إلى أن الأزمات المتلاحقة التي عصفت بالعراق منذ أواخر القرن الماضي وحتى يومنا هذا تمثل سلسلة متصلة الحلقات أفرزتها عقلية التخلي عن الواقعية والبراغماتية لصالح الشعارات السياسية والاستثمار الفئوي، بدءاً من مصادرة القرار العسكري بواسطة المنظومة الحزبية الضيقة قبل عام 2003، وصولاً إلى استنساخ ذات النهج وتعميق عِلّته بواسطة قوى المحاصصة وشراء الذمم والمناصب بعده. إن عملية التجريف الأخلاقي والمهني التي تعرضت لها المنظومة الأمنية والعسكرية من خلال كسر قواعد التراتبية، وتسليع المناصب، وتعمّد إذلال المقاتل الشريف، قادت البلاد حتماً إلى دولة هشة مكشوفة السيادة ومستنزفة المقدرات.
​إن العبرة الكبرى المأخوذة من هذا المخاض التاريخي الطويل تؤكد أن كرامة الجندي والمنتسب البسيط هي خط الدفاع الأول والأخير عن أمن المجتمع واستقرار الدولة، وأن أي محاولة لإصلاح الواقع العراقي ستبقى عبثية وعشوائية ما لم تبدأ بتطهير المؤسسة الأمنية من داء المحاصصة الحزبية والفئوية، وإعادة القدسية لتقاليد العسكرية المهنية، وتطبيق القانون الصارم القائم على الكفاءة والأقدمية والعدالة، لكي يستعيد السلاح هيبته الوطنية والشرعية بعيداً عن صفقات الغرف المظلمة.


 من الشعاراتية إلى الاستثمار السياسي: تفكيك بنيوية المنظومة الأمنية والسياسية في العراق (1979 - 2026)

إعداد/ عدنان صگر الخليفه

    مراجعة وصياغة الدكتور مجدي كامل الهواري 
مراجعة لغوية وتحريرية وتدقيق  المغيره بكري
جريدة الأضواء المصرية

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا