القشور والمقايضات المباشرة ملامح الشرق الأوسط الجديد
بقلم عبير مدين
كاتبة سياسية و روائية
تظل مذكرة تفاهم اسلام اباد الموقعة في يونيو 2026 بين أمريكا وإيران الطبق الرئيسي على مائدة المحللين السياسيين معظم هذه التحليلات السياسية السائدة في وسائل الإعلام تركز على القشور والمقايضات المباشرة نظرا لتضارب التصريحات وكلما تخيلنا أن الأزمة في طريقها إلى انفراجة نجد أنفسنا على مشارف منعطف حاد لا شكر أن المفاوضات شاقة والتنازلات من اي طرف أمر بالغ الصعوبة لأنه يمثل تنازل عن جزء من الكبرياء لذا هي تظل إطار مؤقت لمرحلة من التقاط الأنفاس وإعادة رسم الخطط والخطط البديلة لأن كلا الطرفين يدرك أن النتيجة بالنسبة له اكون أو لا اكون الكبرياء الأمريكي ضد الكرامة الإيرانية اللعبة مفتوحة والعالم يدفع الثمن من سوق الطاقة
أولاً: أبرز نقاط الخلاف الشائكة في مذكرة التفاهم
تتمحور الخلافات الأساسية حول "التزامن" و"المدى" الذي يمكن أن يصل إليه كل طرف:
الملف النووي (التفكيك ضد التجميد):
تطالب واشنطن بتفكيك كامل للبنية التحتية النووية الإيرانية ونقل مخزون اليورانيوم المخصب إلى الخارج. في المقابل، وافقت إيران على تجميد الأنشطة وترقيق المخزون (تقليل نقائه) داخل إيران فقط، مع رفض التفكيك الكامل.
تسلسل التنفيذ والأموال المجمدة: تشترط إيران الإفراج الفوري عن 24 مليار دولار من أموالها المجمدة (وإتاحة نصفها قبل بدء المفاوضات النهائية) كبادرة حسن نية، بينما يصر الجانب الأمريكي على عدم الإفراج الكامل عن الأموال إلا بعد تنفيذ طهران لالتزاماتها والإفراج يأتي على صورة بضائع أميركية.
إدارة مضيق هرمز: تصر طهران على أن تنظيم الملاحة في المضيق شأن سيادي لها بالتنسيق مع سلطنة عمان، بينما تطلب واشنطن ضمانات دولية صارمة لعدم إغلاقه تحت أي ظرف.
ملف الصواريخ الباليستية والفصائل الإقليمية: تصر أمريكا على دمج برنامج الصواريخ الباليستية ووقف دعم الفصائل (مثل حزب الله في لبنان) في الاتفاق النهائي، بينما تعتبرها إيران خطوطاً حمراء دفاعية وغير قابلة للتفاوض، وتريد حصر المفاوضات في الملف النووي والعقوبات فقط.
وفي اعتقادي أن لتجاوز هذه العُقد التي دمرت الاتفاقيات السابقة (مثل اتفاق 2015)، يمكن طرح أفكار مبتكرة تلبي حاجة أمريكا للأمن وحاجة إيران للسيادة والاقتصاد:
1 تحويل التفكيك إلى شراكة
الفكرة: بدلاً من تفكيك المنشآت الإيرانية أو إبقائها تحت إدارة طهران المنفردة، يتم تحويل منشآت التخصيب إلى "شركة مساهمة دولية" تقع داخل إيران ولكن تدار وتشغل بواسطة أطراف تمثل صمام أمان للطرفين هذا الصمام يضم روسيا، دولاً أوروبية، وعمان، وبمراقبة لصيقة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
فتضمن أمريكا والغرب تقنياً عدم قدرة إيران على تحوير المنشأة لإنتاج سلاح (لأن الإدارة مشتركة)، وفي نفس الوقت تحتفظ إيران بحقها في "التخصيب السلمي" على أرضها دون الاضطرار لتفكيك منشآتها بشكل مهين سياسياً.
2 صندوق التنمية المشروط بالمؤشرات (حل عقدة الأموال والعقوبات)
الفكرة: تنص المذكرة الحالية على فكرة إنشاء "صندوق تنمية وإعادة إعمار" بقيمة 300 مليار دولار. الحل الإبداعي هو ربط تسييل هذا الصندوق والأموال المجمدة (الـ 24 مليار) بـ "عقود ذكية مشفرة" تخضع لمؤشرات أداء تقنية تؤكد التزام إيران بالهدنة النووية والإقليمية.
تحصل إيران على تدفقات مالية فورية للمشاريع المدنية والتنموية وأزمة الطاقة الداخلية دون تسليمها نقداً مباشراً (وهو ما يخشاه الكونجرس)، وتضمن واشنطن أن الأموال تذهب للاقتصاد والشعب الإيراني مباشرة عبر حسابات مراقبة، ولا يمكن توجيهها للبرامج العسكرية.
3 شركة الأمن الملاحي الإقليمية لمضيق هرمز
الفكرة: تأسيس آلية مشتركة لإدارة المضيق تحت مسمى "شركة تنظيم الملاحة في الخليج" تُدار بشكل رئيسي من إيران وعمان، ولكن بتمويل ومراقبة تقنية من الدول المستوردة للنفط (مثل الصين واليابان والدول الأوروبية).
تحافظ إيران على دورها القيادي والتنسيقي في المضيق كمظهر سيادي، وتطمئن أمريكا وحلفاؤها لأن أمن المضيق أصبح مرتبطاً بمصالح قوى دولية كبرى (كالصين) تملك دالة تأثير قوية على طهران، مما يمنع استخدام المضيق كورقة ضغط عسكري.
4 صيغة "الأمن الإقليمي الشامل" كبديل لتفكيك الصواريخ
الفكرة: بما أن إيران ترفض التخلي عن صواريخها بشكل أحادي، يمكن تحويل الملف إلى "معاهدة حد من التسلح الإقليمي" تشمل دول الجوار. يتم الاتفاق على سقف لمدى الصواريخ الباليستية (مثلاً عدم تجاوز 2000 كم) مقابل التزام أمريكي متبادل بخفض وتحديد وتيرة التسليح النوعي الهجومي في القواعد المحيطة بإيران.
تحقق واشنطن هدفها في تحجيم الخطر الصاروخي العابر للقارات وصيانة أمن حلفائها، بينما لا تشعر إيران بالعرين المكشوف، حيث يُدرج التقييد الصاروخي ضمن إطار أمني جماعي يحترم التوازن الدفاعي للمنطقة.
كما سبق وأن ذكرت في بداية المقال أن معظم التحليلات السياسية السائدة في وسائل الإعلام تركز على القشور والمقايضات المباشرة مثل "تجميد النووي مقابل، رفع العقوبات"، أو "أمن مضيق هرمز مقابل الـ 24 مليار دولار والتعهد بـ 300 مليار لإعادة الإعمار".
لكن هناك زوايا عميقة وخلفيات غير مطروقة (أو مسكوت عنها) تحت السطور في مذكرة تفاهم إسلام آباد العالقة في مهلة الـ 60 يوماً؛ فالوثيقة تحمل تحولات بنيوية في طبيعة الصراع الإقليمي والدولي:
1. شرعنة "السيادة البحرية والجباية الملاحية" الإيرانية
يتحدث المحللون عن "حرية الملاحة"، لكنهم يتغاضون ترتيبات إدارة مضيق هرمز لـ "حوار ثنائي بين إيران وسلطنة عمان، بالتنسيق مع الدول الساحلية".
التحليل غير المطروق: هذا النص يمنح إيران اعترافاً أمريكياً ضمنياً (ولو مؤقتاً لمدة 60 يوماً المجانية) بأنها "شرطي المضيق" والقانوني الحصري لتنظيم المرور. تلميحات رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف بأن المضيق "لن يعود لما قبل الحرب" تشير إلى رغبة طهران في تحويل المضيق إلى ممر بـ "رسوم سيادية" بعد انقضاء المهلة، وهو ما تحاول واشنطن نفيه خجلاً، لكن النص المكتوب يفتح الباب لشرعنة الجباية البحرية مستقبلاً كمصدر دخل قومي إيراني دائم تحت غطاء الخدمات البحرية.
2. "الحماية الأمريكية غير المباشرة" للفصائل الإقليمية
التحليلات التقليدية ركزت على أن الاتفاق أهمل ملف الصواريخ الباليستية وأذرع إيران كحزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن.
الوثيقة لا تكتفي بإهمال هذا االملف بل تنص على "الإنهاء الفوري والدائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان" يمنح مظلة حماية أمريكية غير مباشرة لهذه الفصائل ضد أي هجمات إسرائيلية أو إقليمية مستقبلاً. إيران نجحت في فرض معادلة: "أي استهداف لحلفائنا هو خرق لوقف إطلاق النار الشامل ينسف المذكرة بالكامل"، مما يجعل واشنطن كفيلة بضبط سلوك حلفائها في المنطقة لحماية اتفاقها الخاص.
وهنا نقف أمام لغز الـ 300 مليار دولار: "الخصخصة الصامتة" لتمويل الخليج
تتعهد المذكرة بخطة إعادة إعمار بقيمة لا تقل عن 300 مليار دولار للاقتصاد الإيراني، وخرجت تصريحات أمريكية (مثل تصريحات نائب الرئيس جي دي فانس) تلمح إلى أن دول الخليج العربي هي من سيمول هذا الصندوق.
التحليل غير المطروق: فكيف يمكن إقناع دول الخليج بتمويل إعمار خصمها التاريخي؟ التحليل المغيب هنا هو رغبة واشنطن في صياغة "سلام اقتصادي ترابطي" حيث تُضخ هذه المليارات كاستثمارات خليجية مباشرة في البنية التحتية الإيرانية وأسواق الطاقة. هذا يعني "خصخصة صامتة" لأصول حيوية داخل إيران لصالح رؤوس أموال خليجية ودولية (مثل الصين)، مما يجعل أي مواجهة عسكرية مستقبلية مغامرة انتحارية تدمر استثمارات الجميع، ويحول العداء الأيديولوجي إلى مصالح شركات عابرة للحدود.بما يعني سقوط سردية "تغيير النظام" والاعتراف بـ "التعايش النفعي"
لسنوات كان الخطاب الأمريكي يلوح بإنهاء النظام في طهران، وجاءت الحرب الأخيرة لتعيد فتح هذا الملف.
لكن المذكرة جاءت تمثل اعترافاً أمريكياً صريحاً بفشل استراتيجية الحصار الشامل والعمل العسكري لنزع سلاح إيران أو إسقاط نظامها. بتوقيع دونالد ترامب ومسعود بزشكيان إلكترونياً على مبدأ "احترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية"، دخلت العلاقات الأمريكية الإيرانية طور "الواقعية النفعية الدائمة"؛ حيث تم القبول بإيران كقوة إقليمية نووية (على حافة القدرة) ومسلحة بالصواريخ، مقابل انكفاء أمريكا التدريجي وسحب قواتها من المحيط الإيراني خلال 30 يوماً من الاتفاق النهائي، وهو تفكيك تاريخي لعقيدة "الاحتواء" الأمريكية التي استمرت لعقود.
وهنا نصل إلى نقطة المقايضة النووية المخفية: "الترقيق في الموقع" بدل الشحن للخارج
فالتحليلات تقف عند جملة "تخفيف مخزون اليورانيوم المخصب".
التحليل غير المطروق: المذكرة نصت على أن المنهجية هي "خفض نسبة التخصيب في الموقع" وتحت إشراف الوكالة الدولية، وليس شحن المخزون خارج البلاد (إلى روسيا أو سلطنة عمان كما في اتفاق 2015). هذا يعني تقنياً أن المعرفة التقنية والمواد الخام تبقى بالكامل داخل الجغرافيا الإيرانية، وما تم ترقيقه اليوم يمكن إعادة تخصيبه ورفعه إلى نسبة 90% في غضون أسابيع قليلة إذا انهار الاتفاق مستقبلاً. إيران لم تتنازل عن "قدرة الاختراق النووي" ، بل وضعتها في "الدرج" مقابل إعفاءات الخزانة الأمريكية لتصدير النفط والغاز فوراً.
تظل هذه المذكرة وثيقة صاغتها " اللحظة الأخيرة" لإنهاء حرب مكلفة للطرفين، لكنها تؤسس لشرق أوسط جديد تختفي فيه الهيمنة الأمريكية المطلقة، وتتحول فيه خطوط الصراع إلى توازنات اقتصادية معقدة وممرات مائية مدفوعة الأجر.
التعليقات الأخيرة