news-details
مقالات

أفكار بصوت مرتفع

 


بقلم: زينب كاظم
من يعش في زوايا الحقيقة، يدرك أن الكلمة جسر، وأن البحث المنصف هو أولى خطوات التلاقي الإنساني. لطالما استوقفتني تلك المحاولات النبيلة من أخوة لنا في العروبة، نشأوا في بيئات وجغرافيات ثقافية ربما لم يمرّ في خطوط حياتهم إنسان شيعي واحد؛ لكنهم، ومدفوعين بروح الإنصاف الباحثة، قرروا أن يقرؤوا ويكتبوا وينقلوا عن عقيدة الشيعة بمداد من التقدير، لتقريب وجهات النظر وإيصال الحقيقة الروحية التي طمستها عوادي الزمن والسياسة، فلهذا الجهد الصادق تنحني كلماتنا شكراً وثَنَاءً.
غير أن الرحلة نحو عمق العقيدة تتطلب إضاءة المساحات التي التبس فهمها على أولئك الباحثين، فقد توقفوا عند شعيرة (اللطم) والمآتم الحسينية مفسرين إياها بظاهرة (جلد الذات وتكفير الذنب الموروث)، وهو ما نجده قراءة مجانبة للواقع العقائدي والنفسي للشيعة جملة وتفصيلاً. إن الشيعة حين يلطمون الصدور ويسكبون العبرات، لا يفعلون ذلك انطلاقاً من عقدة تقصير تاريخي أو شعور باطني بالذنب، بل هو الحزن الرسالي المحض المتدفق من ينابيع الفجيعة والمظلومية.
ويتجلى بطلان تفسير اللطم بـجلد الذات في شواهد حية لا تقبل التأويل، فأبناء هذه العقيدة يقيمون مجالس العزاء، ويلطمون الصدور، ويبكون بحرقة في ذكرى شهادة كل إمام من أئمة أهل البيت الأطهار، وصولاً إلى الفجيعة العظمى والمصاب الأجل بوفاة وشهادة سيد الكائنات وحبيب الله، الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم. فهل يُعقل أن يكون الحزن واللطم على شخص رسول الله ناتجاً عن( عقدة ذنب)؟! بالطبع لا، إنما هو عين المودة في القربى، والمواساة لأهل بيت النبوة، والتعبير الإنساني الطبيعي عن ألم الفقد لقادة الهداية والنور.
أما تلك الخصوصية المتميزة والفجيعة الاستثنائية التي تصاحب ذكرى عاشوراء بالخصوص، فإن مرجعها ليس الذنب، بل هو الحجم المرعب والمزلزل للمظلومية التي وقعت على سبط النبي وريحانته، الإمام الحسين عليه السلام، في طفّ كربلاء. إنها المأساة التي هزت ضمير الوجود بانتهاك حرمات آل الله، وذبح الأطفال، وسبي حرائر الوحي؛ فالحزن هنا يتناسب طردياً مع حجم الفاجعة الإنسانية والروحية، وليس تكفيراً عن خطيئة لم تقترفها أجيال ولدت بعد الواقعة بقرون.إن هذا العزاء والشعور بالفجيعة ليس مبتدعاً ولا وليد القرون المتأخرة، بل هو امتداد مأثور وموثق في أمهات كتب المسلمين بمختلف مأربهم. وحين نفتش في التراث الإسلامي، نجد أن أول مجلس حسيني وأول دمعة سُكبت على الحسين لم تكن بعد استشهاده، بل كانت في بيوت النبوة، وأقامها خير خلق الله بتعليم من الوحي والملك المقرب جبرائيل عليه السلام.
لقد ورد في مسند الإمام أحمد بن حنبل (في مسند علي بن أبي طالب رضي الله عنه، الحديث رقم 648) بسند صحيح عن عبد الله بن نجي، عن أبيه: أنه سار مع علي رضي الله عنه، وكان صاحب مَطْهَرَتِهِ (الإناء الذي يتطهر به)، فلما حاذى نينوى وهو منطلق إلى صفين، فنادى علي(اصْبِرْ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، اصْبِرْ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ بِشَطِّ الْفُرَاتِ). قلتُ: وما ذاك؟ قال: (دخلتُ على النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم وعيناه تفيضان، قلتُ: يا نبي الله، أغضبك أحد؟ ما شأن عينيك تفيضان؟ قال: بل قام من عندي جبريل قبلُ، فحدثني أن الحسين يُقتل بشط الفرات. قال: فقال هل لك إلى أن أُشمَّك من تربته؟ قال: قلتُ: نعم. فمدّ يده فقبض قبضة من تراب فأعطانيها، فلم أملك عينيَّ أن فاضتا).
وفي رواية أخرى أخرجها الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد وأحمد في المسند عن أم سلمة رضي الله عنها، تصف فيها مجلساً آخر في بيت النبوة، حيث دخل جبرائيل عليه السلام على رسول الله والحسين جالس في حجره، فأخبر الملك المقرب النبيَّ بأن أمته ستقتل ولده هذا، وأراه من تربة الأرض التي يقتل فيها فإذا هي حمراء. فبكى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وضم ولده إلى صدره في فجيعة مبكرة سبقت الواقعة بعقود.
هذا البكاء النبوي الذي شارك فيه جبرائيل، والنبي الأكرم، وأمير المؤمنين علي، وسيدتنا فاطمة الزهراء صلوات الله عليهم أجمعين حين علموا بالمصير الفاجع، هو الجذر الأساس والمشروعية الروحية لكل دمعة تسكب اليوم. لم يكن المصطفى يبكي لشعور بالذنب، وحاشاه، ولم يكن الوحي يواسيه تكفيراً عن خطيئة، بل كان بكاءً على المظلومية الفادحة وعظم الرزية التي ستحل بالإسلام الإلهي المتمثل بشخص الحسين.
لذا، فإن العزاء واللطم وإحياء هذه الشعائر عند الشيعة ليس سوى استمرار لذلك المجلس النبوي الأول، ووفاءً لتلك الدموع التي جرت في عين رسول الله، وصياغة عاطفية واعية لرفض الظلم والجور في كل زمان ومكان. إنه تجديد للبيعة مع المظلوم في وجه الظالم، وفيض إنساني نبيل ينبغي على كل باحث منصف أن يقرأه بعين القلب والعمق التاريخي، ليرى من خلاله حقيقة الحسين الموحدة، لا الأوهام التي نسجتها التفسيرات السطحية.

 

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا