«مستقبل الفنون الأفريقية»
كتب : محمد جمال الدين
في عالم تتلاطم فيه أمواج العولمة الجارفة وتتسارع خطى التحديث التكنولوجي الرقمي، يبرز الفن الأفريقي ليس مجرد تعبير جمالي عابر أو فولكلور للاستهلاك البصري، بل كصياغة فلسفية تضرب بجذورها في عمق الوجود، وجدارية حية تختزل صراع الهوية والذاكرة في مواجهة الفناء المعرفي والذوبان الثقافي، من هذا المنطلق الوجودي، تفتح جمهورية مصر العربية، ممثلة في وزارة الثقافة - أكاديمية الفنون (وحدة المؤتمرات والندوات) طاقة إبداعية ومعرفية كبرى عبر تنظيم «المؤتمر العلمي الدولي العاشر للفنون الأفريقية» تحت عنوان محوري وفلسفي عميق، وهو «مستقبل الفنون الأفريقية»، والمزمع عقده في التاسع من نوفمبر لعام 2026م، إذ إن هذا المؤتمر يمثل دعوة كوزمولوجية مفتوحة لخلخلة المفاهيم التقليدية، وإعادة قراءة الموروث القاري برؤية تفكيكية وإستشرافية، تسعى إلى تحرير الفن الأفريقي من أطر النمطية الإستعمارية القديمة، ووضعه في مكانه اللائق كقوة حضارية قادرة على صياغة أسئلة المستقبل الوجودية والجمالية في "عصر الرقمنة".
يقوم هذا المحفل الفكري الشاهق على أكتاف قامات أكاديمية وفكرية بارزة، تؤمن بأن الفن هو المحرك الأساسي للفكر الإنساني، حيث ينعقد المؤتمر برئاسة أ.د. نبيلة حسن رئيس أكاديمية الفنون، وتتولى الإشراف العام ومقرر الندوة أ.د. إيمان مهران المشرف العام على وحدة المؤتمرات والندوات، بينما تشغل أمانة المؤتمر أ.د. نهلة أبسخرون مدير وحدة المؤتمرات والندوات، وتأكيداً على كسر الحدود الجغرافية وتعميق المثاقفة الأفريقية العالمية، ستُعقد جلسات المؤتمر بنظام مدمج يتيح المشاركة الإفتراضية عبر الفضاء الرقمي (Online عبر تطبيق Zoom)، لتيسير التواصل الفكري العابر للقارات بين الباحثين والمفكرين من شتى بقاع الأرض، مع التأكيد الصارم على أن جميع البحوث المقدمة تخضع لآليات التحكيم العلمي الرصين، بمعنى أن جميع البحوث محكمة، لضمان جودة الأطروحات وعمقها المعرفي.
وقد تقرر مد فترة قبول الملخصات لإستيعاب الرؤى الفلسفية، في لفتة تعكس مرونة الفكر الأكاديمي واستجابة للرغبة العارمة من الجماعة الثقافية والباحثين في شتى أنحاء العالم العربي والأفريقي، ولإتاحة فرصة أرحب لبلورة الأفكار الفلسفية وتعميق الأطروحات النقدية، لذا أعلنت الأستاذة الدكتورة إيمان مهران رسمياً عن مد فترة قبول ملخصات البحوث إلى منتصف أغسطس 2026م، بعد أن كان الموعد السابق ينتهي في 30 يونيو، ويمثل هذا التمديد فرصة إستثنائية لكافة الفلاسفة والباحثين لإعادة مراجعة أدواتهم المنهجية والمشاركة في صياغة هذا المشهد الحضاري الفريد.
تتوزع أعمال المؤتمر على ثمانية محاور فلسفية كبرى تشمل كافة تجليات الإبداع الإنساني وتناقش مستقبله ومصيره في "عصر الرقمنة"، ففي مجال المسرح، يناقش مستقبل المسرح الأفريقي في عصر الرقمنة، الإستلهام والحيود في المسرح الأفريقي، هوية وموقع المسرح الأفريقي في الساحة العالمية، جدلية المسرح والأيديولوجيا والسياسة والاحتجاج لدى الشعوب الأفريقية، قضايا التجريب وما بعد الحداثة، ومستقبل المسرح في ظل الأوضاع المالية الخانقة، وصولاً إلى سيكولوجية "الاغتراب في المسرح الأفريقي".
في مجال فنون السينما (مرآة الأحداث والصورة الرقمية): يستعرض مستقبل السينما الأفريقية، التقنيات والعلاقات الفنية للسينما والرسوم المتحركة في عصر الرقمنة، تأثير التطبيقات الرقمية الرقمية، منصات التواصل الإيجابي وتأثير "الأوبرا"، السينما ومستقبل توثيق ذاكرة الأحداث، توظيف المناطق السياحية والموروث الشعبي، إشكاليات الإنتاج والتسويق، ودور السينما في التعريف بالإيجابيات الأفريقية دولياً.
في مجال فنون الموسيقى (صوت الأرض والأصالة المهددة)، يبحث في مستقبل الفنون الغنائية الأفريقية المعاصرة في عصر الرقمنة، التطبيقات الرقمية على الموسيقى، تأثير وتأطير الموسيقى الغربية الوافدة على الموسيقى المحلية، موقع الموسيقى الأفريقية على الساحة العالمية، وتأصيل الهوية الموسيقية في المناهج المدرسية، أما في مجال فنون الأداء الحركي (جسد يحكي الوجود)، يتناول مستقبل فنون الأداء الحركي الأفريقي المعاصر، جدلية الأداء الحركي، الهويات الثقافية الطقسية، قضايا الإستلهام والحيود والرقص الأفريقي، وتوثيق وحفظ واقع الأداء الشعبي في الموروث الأفريقي لحمايته من الطمس.
في مجال الفنون التشكيلية (صياغة الفراغ والكتلة)، يدرس مستقبل الفنون التشكيلية، دور المتاحف في ترسيخ القيم في ظل العولمة، صراع المحلية والعالمية، الرؤية الفنية وتأصيل الهوية، تأثير الرقميات والمنصات، وتأثير الحروب المدمرة وقضايا اللجوء على تشكيل الوعي البصري، فضلاً عن دور الموروث والحرف التقليدية، أما في مجال الفنون الشعبية (الذاكرة الشفاهية الحية)، يفكك مستقبل موروث الثقافات الشعبية الأفريقية، الإستلهام وخصوصية الموروث التشكيل الشعبي، صون التراث المادي واللامادي، المدن الأفريقية في فنون السير والملاحم الشعبية، وتأثير الفنون الشعبية الأفريقية على الفنون العالمية.
في مجال فنون الطفل (بناء إنسان الغد)، يستشرف مستقبل فنون الطفل الأفريقي وعلاقته بالرقمنة، دور المسرح المدرسي والتربية الفنية في تنمية وعي الطفل، وصورة الأفريقي في الحكايات وفنون الرسوم الموجهة للطفل، وفي مجال فنون الأدب (الكتابة كأداة تحرر وجودي)، يستقرئ مستقبل الأدب الأفريقي المعاصر؛ فن الرواية واستشراف المستقبل، ملامح الهوية في الأدب المعاصر، الأداء الوطني والتعددية، أثر الرواية في المسرح والسينما؛ قضايا الانتماء الوطني في أدب الشباب، وأثر الثورات، الحروب، المهجر، واللجوء على بنية النص الأدبي الأفريقي وتأثيره العالمي.
وضعت اللجنة المنظمة شروطاً فنية دقيقة للبحوث المقبولة، إذ يُقدم ملخص من صفحة واحدة باللغة العربية أو لغة أجنبية (إنجليزية أو فرنسية)، على أن يكون مرفقاً به ترجمة إلى لغة أخرى (مثل الإنجليزية/الفرنسية)، ويُقدم البحث كاملاً بحيث لا يزيد عن (15 صفحة) شاملة المراجع والملاحق الفنية، ويُكتب البحث باللغة العربية بخط (Simplified Arabic) بحجم (14) للمتن و(16) للعناوين، وتُترك مسافة هـامشية قـدرها (2 سم) من كافة الجوانب (الأيمن، الأيسر، العلوي، السفلي) على ورق مقاس (A4)، وتُوثق المصادر والمراجع داخل المتن في نهاية الفقرة بنظام: (اسم المؤلف، سنة النشر، رقم الصفحة)، مع ترتيب المراجع أبجدياً في نهاية البحث، وعقب مد فترة الملخصات لمنتصف أغسطس 2026م، تقرر أن يتم إرسال القبول المبدئي للملخصات القديمة في 31 يوليو 2026م، على أن يُرسل البحث كاملاً في موعد أقصاه 31 أغسطس 2026م.
في انحياز واضح وجلي لدعم المعرفة والإبداع العابر للحدود، وإيماناً بأن الفكر لا يجب أن تحده العوائق المادية، أعلن المؤتمر رسمياً عن مكرمة علمية كبرى، وهي أن المؤتمر مجاني بالكامل، إذ لا توجد أي مصروفات أو رسوم مالية للمشاركة، أو الحضور، أو النشر في المجلد الدولي العلمي المحكم للمؤتمر، وعليه فإن المؤتمر العلمي الدولي العاشر للفنون الأفريقية بأكاديمية الفنون ليس مجرد تجمع أكاديمي روتيني لتبادل الأوراق البحثية، بل هو محاكمة فلسفية واعية للراهن وإستشراف جريء للمستقبل، بوصفه يسعى إلى جعل الفن الأفريقي أداة واعية لإنقاذ الكينونة والهوية من الذوبان والتشظي في عصر سيولة الرقمنة، ومن هنا تطلق أكاديمية الفنون دعوتها الصارخة لكافة المفكرين والباحثين والمبدعين ليكونوا شركاء في صياغة هذا البيان الحضاري، وتوثيق ملامح الانبعاث الفني الأفريقي الجديد، إذ إن مد فترة قبول الملخصات لمنتصف أغسطس 2026 ليس إلا تأكيداً على عمق الرغبة في إستيعاب كل فكر جاد ورؤية ثاقبة قادرة على إعادة رسم خريطة الفنون وقراءة المستقبل بروح أفريقية أصيلة ومتجددة.
التعليقات الأخيرة