news-details
مقالات

هاجر المصرية... المرأة التي صنعت أمةً بين الصبر واليقين

بقلم /مصطفى صبحي 

في سجلِّ النساء اللاتي غيَّرن مجرى التاريخ، تقف هاجر المصرية شامخةً في مكانةٍ لا يبلغها إلا أصحاب الرسالات العظيمة. لم تكن ملكةً تحكم، ولا قائدةً تقود الجيوش، لكنها كانت أمًّا مؤمنة، صبرت حيث يعجز الصبر، وآمنت حيث تنقطع الأسباب، فكتب الله على يديها بداية أمةٍ، وجعل من خطاها شعيرةً يتعبد بها ملايين المسلمين إلى قيام الساعة.
ولئن كان اسمها لا يرد صراحةً في القرآن الكريم، فإن قصتها حاضرةٌ في آياته، ومخلدةٌ في السنة النبوية، ومحفوظةٌ في وجدان الأمة الإسلامية.
وتجمع المصادر الإسلامية على أن هاجر كانت مصرية، إلا أنها لا تقدم نصًا صحيحًا يحدد المدينة أو الإقليم الذي وُلدت فيه. وما شاع في بعض الكتب من أنها كانت من قريةٍ تُسمى "أم العرب" أو من منطقة "منف" القديمة، أو غير ذلك، إنما هو من الروايات التاريخية التي لا تقوم على دليلٍ صحيح، ولم يثبت منها شيء عن النبي ﷺ.

وقد ارتبطت هاجر بمصر ارتباطًا وثيقًا؛  على اختلاف الروايات التاريخية.  كما أن الثابت أنها خرجت من أرض الكنانة لتبدأ رحلةً ستغيِّر وجه التاريخ.
أنجبت هاجر ابنها إسماعيل عليه السلام، وكان ميلاده بشارةً لنبي الله إبراهيم بعد سنواتٍ طويلة من الانتظار. ثم جاءت لحظة الابتلاء الكبرى، حين أمر الله إبراهيم أن يحمل زوجه هاجر ورضيعها إلى وادٍ غير ذي زرع عند بيت الله الحرام، حيث لا ماء ولا أنيس ولا عمران.
هناك، تركهما امتثالًا لأمر الله، فانطلقت كلمات هاجر الخالدة التي تلخص حقيقة الإيمان: "آلله أمرك بهذا؟" فلما أجابها بالإيجاب قالت في يقينٍ راسخ: "إذًا لا يضيِّعنا."
كانت كلماتٍ قليلة، لكنها أصبحت دستورًا لكل مؤمنٍ يعلم أن من توكل على الله كفاه.
ولما نفد الماء، وأخذ الرضيع يتلوى من العطش، لم تستسلم هاجر لليأس، ولم تنتظر معجزةً وهي ساكنة، بل جمعت بين الأخذ بالأسباب وكمال التوكل؛ فسعت بين جبلي الصفا والمروة سبع مرات، تبحث عن قطرة ماء تنقذ طفلها.
وحين انتهى سعيها، فجَّر الله بقدرته بئر زمزم عند قدمي إسماعيل، لتتحول الصحراء المقفرة إلى مهد الحياة، ويصبح ذلك الموضع نواة مكة المكرمة، ومنها بدأت رحلة البيت الحرام، ثم انطلقت رسالة خاتم الأنبياء محمد ﷺ بعد قرون.
ولم يكن سعي هاجر مجرد حادثة تاريخية، بل جعله الله شعيرةً خالدة من شعائر الحج والعمرة، يكررها المسلمون في كل عام، رجالًا ونساءً، اقتداءً بامرأةٍ مؤمنةٍ لم تكن نبية، لكنها بلغت بصبرها ويقينها منزلةً خلدها الوحي.
ثم نشأ إسماعيل عليه السلام في مكة، وتزوج من قبيلة جرهم العربية، وتعلَّم العربية منهم، ثم شارك أباه إبراهيم في رفع قواعد الكعبة المشرفة، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ [البقرة: 127]. ومن نسل إسماعيل جاء العرب المستعربة، ثم جاء خاتم الأنبياء والمرسلين محمد ﷺ، فكانت هاجر الجدة الكبرى للنبي الكريم.
ومن اللافت أن امرأةً مصرية أصبحت أمَّ العرب العدنانيين، وأن صبرها كان اللبنة الأولى في بناء مكة، التي غدت قبلة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.
ولذلك، فإن الحديث عن هاجر ليس حديثًا عن شخصية تاريخية فحسب، بل عن مدرسةٍ في الإيمان، تعلم الإنسان أن اليقين لا يناقض العمل، وأن السعي لا ينافي التوكل، وأن الفرج قد يولد من قلب المحنة، وأن الله يكتب الخلود لأناسٍ لم يطلبوه، وإنما أخلصوا له في ساعة الابتلاء.
وهكذا بقي اسم هاجر حاضرًا في ذاكرة الإنسانية، لا بثراءٍ أو سلطان، وإنما بإيمانٍ صادق، وصبرٍ جميل، وثقةٍ بالله لم تهتز أمام قسوة الصحراء، فكان جزاؤها أن تتحول خطواتها إلى عبادة، وأن يصبح عطش رضيعها سببًا في ظهور أعظم عين ماء عرفها التاريخ، وأن تظل سيرتها شاهدًا على أن الأمم العظيمة قد تبدأ بقلب أمٍّ مؤمنة.

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا