بقلم: أحمد علي بكري
تشهد المحافظات الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثي، ولا سيما العاصمة صنعاء ومحافظة الجوف، حالة غليان قبلي وشعبي غير مسبوقة خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية، إثر التداعيات المتسارعة لقضية السيدة المعروفة إعلامياً باسم "ميرا صدام حسين"، والتي تدعي أنها ابنة سرية للرئيس العراقي الراحل، حيث تحول الملف من مجرد نزاع قانوني وعقاري حول ملكية منزل في حي "حدة" الراقي بصنعاء إلى فتيل يشعل مواجهة مسلحة مباشرة ومصيرية بين كبرى قبائل اليمن وسلطات الأمر الواقع الحوثية، وذلك عقب دخول الأعراف والتقاليد القبلية الأصيلة على خط الأزمة بشكل حاسم.
بدأت التطورات الأخيرة تتخذ منحى عسكرياً شديد الخطورة بعد أن أقدمت الأجهزة الأمنية التابعة لجماعة الحوثي على احتجاز الشيخ القبلي البارز حمد بن راشد فدغم الحزمي، أحد كبار مشايخ قبائل "دهم" العريقة بمحافظة الجوف، وذلك على خلفية تبنيه العلني لقضية "ميرا" ونشره مقاطع مرئية وثق فيها أحقيتها بالمنزل والممتلكات التي تحاول قيادات حوثية نافذة السطو عليها، موجهاً اتهامات مباشرة لتلك القيادات، ومن بينهم تاجر السلاح المعروف فارس مناع، بممارسة الابتزاز والنهب والترهيب بحق امرأة مستجيرة باليمنيين، ولم تمر ساعات على إطلاق سراح الشيخ بن فدغم بعد تعرضه لضغوطات وإهانات ومحاولات لإجباره على التوقيع على محاضر وفيديوهات تعزز الرواية الحوثية، حتى خرج في بيان مرئي مزلزل أعلن فيه رسمياً "النكف القبلي" والنفير العام لأبناء قبائل دهم وكل حر في اليمن، مؤكداً أن "طبول الحرب ستُقرع وعلى الباغي تدور الدوائر"، وموضحاً أن اللجوء للقوة بات الخيار الوحيد لرد الاعتبار ومواجهة هذا الظلم الصارخ الذي انتهك كل الحرمات والأسلاف القبلية.
وتعود الخلفية المشتعلة لهذا النفير القبلي إلى لجوء السيدة "ميرا صدام" إلى مجلس الشيخ حمد بن فدغم للطلب النصرة والحماية، حيث قامت بالخطوة القبلية الأكثر حساسية في عرف الجزيرة العربية وهي "قص خصلة من شعرها" (ضفائرها) ورميها في مجلس الشيخ، وهو عرف تقليدي يعبر عن استغاثة قصوى للمرأة وطلب "الوجه والأمان" والنصرة من القبيلة، مما يضع المشايخ والقبيلة بأكملها أمام خيارين لا ثالث لهما: إما النفير لنصرتها وحمايتها بكل الغالي والنفيس، أو تحمل وصمة عار تاريخية لا تمحى، وهو الأمر الذي جعل قبائل دهم وأحرار قبائل طوق صنعاء يستجيبون فوراً للداعي القبلي، ويحشدون عشرات الأطقم والمقاتلين المسلحين استعداداً لردع أي حماقة حوثية، وتثبيت حق السيدة المستجيرة.
في المقابل، تواصل جماعة الحوثي محاولاتها الحثيثة لتغيير معالم القضية، حيث تصر عبر وسائل إعلامها على روايتها الأمنية بأن السيدة يمنية واسمها الحقيقي "سمية أحمد محمد عيسى الزبيري" وأنها منتحلة صفة لغرض الاحتيال، وتحركت الجماعة خلال الساعات الماضية عبر القيادي الحوثي فارس الحباري لحشد قبلي مضاد في منطقة أرحب، والضغط بقوة السلاح على وجهاء آل الزبيري لإجبارهم على الاعتراف بالمرأة كابنة فارّة من أسرتهم تحت التهديد، إلا أن هذا المخطط واجه مأزقاً كبيراً بعد رفض قاطع من مشايخ أرحب والزبيري الذين اعتبروا التوجيهات الحوثية محاولة دنيئة لتزييف الحقائق واستخدام الأعراض في الصراعات السياسية، مما دفع الحوثيين لاعتقال الشيخ الجرادي وعدد من الوجهاء الرافضين، لتشتعل منطقة أرحب ومحيط صنعاء بـتوتر عسكري شديد يتزامن مع تحشيد قبائل الجوف.
وعلى المقلب الآخر، حظي هذا الموقف القبلي الشجاع بتفاعل واسع النطاق ومفصل في الداخل العراقي، حيث تحركت كبرى العشائر والقبائل العراقية في محافظات الأنبار وصلاح الدين ونينوى ومناطق الفرات الأوسط والجنوب، مصدرةً بيانات تضامنية رسمية أشادت فيها بموقف الشيخ حمد بن فدغم الحزمي وقبائل دهم، واصفة تضحياتهم ونصرتهم للمرأة بأنها تجسيد حي لقيم العروبة والنخوة والشرف الأصيل التي لطالما تميزت بها قبائل اليمن وعبر التاريخ، كما أدانت العشائر العراقية في بياناتها التفصيلية كل الممارسات الترهيبية والتعسفية التي تمارسها قيادات الجماعة الحوثية ضد السيدة بهدف تجريدها من حقوقها، مؤكدة أن تزوير النسب بالقوة العسكرية يعكس انحداراً أخلاقياً، وطالبت القبائل العراقية بتشكيل لجنة تحقيق دولية ومستقلة لإجراء فحص الحمض النووي (DNA) في بيئة محايدة بعيداً عن ضغوط الحوثيين لإثبات الحقيقة وقطع دابر المؤامرات، وسط تحذيرات من أن أي مساس بالشيخ بن فدغم أو بالسيدة المستجيرة سيكون له تداعيات قبلية تتجاوز الحدود الجغرافية لليمن.
التعليقات الأخيرة