◇ أصح يا نايم... بكفى مئة عام من التخدير
◇
بقلم: عبد العظيم كحيل
أبو بلال – طرابلس، لبنان
أصح يا نايم... وحد الله الدائم.
مئة عام ونحن نبرر الهزائم، ونبحث عن الأعذار، ونغلف الواقع المر بشعارات براقة.
مئة عام ونحن نردد: "الرأي والرأي الآخر لا يفسد للود قضية."
ولكن هل سألنا أنفسنا مرة واحدة: ماذا كانت النتيجة؟
أمة ممزقة، وحدود مصطنعة، وثروات منهوبة، وإرادة مصادرة، ومقدسات محتلة، وأمة وصفها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنها ستكون غثاءً كغثاء السيل.
إذاً... أين أوصلتنا هذه المجاملات؟
أولاً: لا تُقدِّسوا الشعارات
ليس كل شعار صحيحاً لمجرد أنه جميل.
فعبارة "أصلح نفسك يصلح المجتمع" حق يراد به جزء من الحقيقة، لكنها ليست الحقيقة كلها.
كيف يصلح الفرد إذا كانت أدوات تشكيل وعيه تعمل في الاتجاه المعاكس؟
كيف يواجه وحده إعلاماً يصنع الرأي، ومناهج تصوغ العقول، وسياسات تؤثر في تفاصيل حياته؟
الإصلاح لا يقوم على الفرد وحده، كما أن بناء بيت لا يقوم على حجر واحد.
لقد بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ببناء الإنسان، لكنه لم يتوقف عند ذلك، بل بنى مجتمعاً ودولة تحمل رسالة وعدلاً ونظاماً.
ثانياً: ليست كل الآراء سواء
لقد أسيء استخدام عبارة:
"الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية."
حتى أصبحت عند بعض الناس ستاراً يمنع نقد الأفكار، وكأن كل رأي يستحق الاحترام بالدرجة نفسها.
وهذا غير صحيح.
فالإنسان يُحترم لكرامته، أما الرأي فيُوزن بالدليل والعقل وآثاره.
ليس من العدل أن نساوي بين علم وجهل، ولا بين إصلاح وإفساد، ولا بين مشروع يبني الأمة، وآخر يمزقها.
احترام الإنسان لا يعني التسليم بصحة كل ما يقول.
وحين تضيع المعايير، يصبح صاحب المعرفة، وصاحب الضجيج، في ميزان واحد، وتصبح الشهرة بديلاً عن الكفاءة، والتفاهة طريقاً إلى التأثير.
ثالثاً: الأمم لا تنهض بالجدل
أمتنا لا تعاني نقصاً في المتحدثين.
تعاني نقصاً في المشاريع.
نستهلك الساعات في الجدل، وننسى السنوات التي تضيع من أعمارنا بلا إنجاز.
كل أمة نهضت كان لديها مشروع واضح، ورؤية، وهدف، ومؤسسات تعمل لتحقيقه.
أما نحن فما زلنا مختلفين على الطريق، قبل أن نبدأ السير.
رابعاً: التشرذم ليس قدراً
ما تعيشه أمتنا اليوم لم يولد في يوم واحد، بل هو نتيجة تراكم طويل من الانقسام، والتنافس، وتقديم الولاءات الضيقة على المصلحة العامة.
وحين يغيب المشروع الجامع، يصبح التفرق أمراً طبيعياً، وتتحول الحدود إلى حواجز نفسية قبل أن تكون جغرافية.
خامساً: فلسطين ليست قضية هامشية
كلما ضاق مفهوم الأمة، ضاقت معه القضايا الكبرى.
ولهذا تقلص الاهتمام بفلسطين في خطاب كثيرين، حتى أصبحت عند البعض قضية تخص شعبها وحده.
بينما هي، في وجدان المسلمين، أرض لها مكانتها الدينية والتاريخية، وفي ميزان القانون والضمير الإنساني، قضية شعب يطالب بحقوقه وكرامته.
الخلاصة
الطغيان لا يعيش بالقوة وحدها.
يعيش حين يسكت العقل.
وحين تخاف الكلمة الصادقة.
وحين يصبح المجامل مكرماً، وصاحب المبدأ متهماً.
الأمم لا تنهض بالمجاملات، ولا بالشعارات، ولا بتقديس الأشخاص.
تنهض عندما يصبح الحق معياراً، والكفاءة ميزاناً، والعمل طريقاً.
لقد أضعنا قرناً من الزمان في الدوران حول أنفسنا.
وحان الوقت أن نسأل:
هل نريد أن نبقى أسرى التبرير... أم نبدأ طريق التغيير؟
قال تعالى:
﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
عبد العظيم كحيل
أبو بلال – طرابلس، لبنان
التعليقات الأخيرة