news-details
مقالات

في صراع الفيلة، العشب هو من يتأثر أولاً، والقناصون البعيدون هم من يجمعون الغنائم". 

بقلم عبير مدين 
كاتبة سياسية روائية 

تعقيباً على مداخلة الدكتور د.مسعود إبراهيم حسن الباحث في شؤون الإيرانية بقناة الشرق الفضاية
في اعتقادي أن معادلة المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران —والتي تحولت من "حرب استنزاف" متبادلة عبر الوكلاء على مدار سنوات إلى مواجهات مباشرة عنيفة — تُمثل واحدة من أعقد ملفات الصراع السياسي والعسكري في العصر الحديث.
الاستنزاف هنا لم يكن عسكرياً فحسب، بل هو استنزاف اقتصادي، وسياسي، وجيوسياسي طويل الأمد، تأرجح بين عقود من "حرب الظل" والضربات المتبادلة، وصولاً إلى ذروة التصعيد العسكري العنيف والتفاهمات الهشة التي شهدتها المنطقة مؤخراً.
أطراف الصراع المباشر في استنزاف متبادل بلا منتصر كامل الولايات المتحدة: تجد نفسها دائماً في استنزاف مبرح لـ "قوتها الناعمة" وهيبتها الدبلوماسية، بالإضافة إلى الكلفة الاقتصادية الهائلة لحشودها العسكرية في الشرق الأوسط. هذا الصراع يعوق استراتيجيتها الكبرى المتمثلة في "الاستدارة نحو الآسيوية" لمواجهة الصعود الصيني، ويجعلها تبدو أمام حلفائها الإقليميين كشريك متقلب وغير متوقع.
اما بالنسبة لإيران فرغم نجاحها التاريخي في بناء عمق استراتيجي عبر "محور المقاومة" كحائط صد لحماية النظام، إلا أن الكلفة كانت باهظة جداً. لقد تعرضت إيران لاستنزاف اقتصادي خانق بسبب العقوبات، ودفع الداخل الإيراني ثمناً كبيراً من استقراره المعيشي، ناهيك عن الضربات القاسية التي تلقتها بنيتها القيادية والعسكرية في المواجهات الأخيرة، مما جعل استراتيجيتها تتمحور حول "البقاء والتفاوض من موقع الصمود".
وفي خضم هذا الصراع المباشر الذي يتكبد فيه الطرفان الأمريكي و الإيراني خسائر هائلة والذي تحول لوليمة اجتمع حولها عددا من المستفيدين،  تجني ثمار هذا التنافس الإقليمي دون أن تدفع الكلفة المباشرة
وهي القوى الدولية الكبرى (الصين وروسيا)
الصين: تُعد المستفيد الأكبر هدوءاً. بينما تغرق واشنطن في رمال الشرق الأوسط وتستنزف قطعها البحرية وميزانياتها العسكرية هناك، تتحرك بكين بمرونة لتعزيز نفوذها الاقتصادي والتكنولوجي في آسيا وإفريقيا، وتعمق شراكاتها الاستراتيجية في الخليج وإيران معاً كقوة توازن اقتصادي ورعاية دبلوماسية.
روسيا: يخدم هذا الاستنزاف مصالح موسكو عبر تشتيت الانتباه الغربي والدعم العسكري والسياسي الأمريكي بعيداً عن الجبهة الأوروبية والصراعات المباشرة مع حلف الناتو، فضلاً عن تعزيز التنسيق العسكري والتكنولوجي بين موسكو وطهران.
وبالطبع تجار السلاح ومصانع الدفاع العالمية لهم نصيب الأسد من هذه الوليمة 
حروب الاستنزاف والتهديدات المستمرة للممرات المائية (مثل مضيق هرمز والبحر الأحمر) تخلق طلباً لا ينتهي على منظومات الدفاع الجوي المتطورة، والطائرات المسيرة، والتكنولوجيا الأمنية. شركات الدفاع الكبرى (خاصة الغربية) تجني أرباحاً قياسية من صفقات التسليح الموجهة للمنطقة.
كما تسعى التيارات الراديكالية والمليشيات غير النظامية للتجمع حول هذه الوليمة حيث تنتعش المجموعات المسلحة والتنظيمات العابرة للحدود في أجواء الفوضى والاستنزاف. غياب الاستقرار السياسي يمنح هذه الكيانات بيئة مثالية لفرض نفوذها كبديل للمؤسسات الرسمية للدول، ويبرر استمرار تسلحها بذريعة "مواجهة التهديدات الخارجية".
وعلى هامش هذه الوليمة هناك أطراف أكثر تضرراً وهي الشعوب العربية ودول المنطقة: تقع جغرافيا الشرق الأوسط في قلب هذا الطحن. تعطل خطوط الملاحة، وتهديد البنية التحتية للطاقة، والاضطرابات الاقتصادية، وتراجع فرص التنمية المستدامة، كلها أثمان تدفعها دول المنطقة وشعوبها التي تتطلع للاستقرار والبناء بعيداً عن صراعات النفوذ الدولي والإقليمي
فحرب الاستنزاف هذه تؤكد القاعدة السياسية الشهيرة  "في صراع الفيلة، العشب هو من يتأثر أولاً، والقناصون البعيدون هم من يجمعون الغنائم". فالمنتصر في حروب الاستنزاف ليس من يوجه الضربة الأقوى، بل من يملك نفساً أطول ويوظف انشغال خصومه لتحقيق مكاسب استراتيجية في ساحات أخرى.
ما هي الزاوية التي ترينها الأكثر خطورة في هذا الصراع؟ هل هي التداعيات الاقتصادية على الممرات المائية والملاحة، أم إعادة تشكيل التحالفات السياسية في المنطقة؟

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا