بقلم فادي البوري
في ظل التحديات الاقتصادية التي تواجهها الشركات والمصانع، لم يعد من المقبول الانتظار حتى تتوقف المنشآت عن الإنتاج، وتغلق فروعها، وتتراكم ديونها، ثم نبدأ بالبحث عن الحلول.
الأردن بحاجة إلى مبادرة وطنية واضحة تقوم على مبدأ: «إعادة التشغيل قبل الإغلاق».
الهدف من هذه المبادرة ليس إنقاذ أصحاب الشركات أو تمويل الخسائر وسوء الإدارة، بل التدخل المبكر لإنقاذ المنشآت القابلة للاستمرار، والمحافظة على فرص العمل، وحماية الإنتاج الوطني.
فإغلاق مصنع لا يعني خسارة مالكه فقط، بل يعني فقدان وظائف، وتضرر الموردين، وتعثر التزامات بنكية، وانخفاض الإيرادات الضريبية، وتراجع النشاط الاقتصادي.
لكن يجب التأكيد أن ليس كل مصنع متعثر يستحق الدعم، وليس كل شركة تواجه أزمة سيولة يجب أن تحصل على المزيد من القروض.
الحل يبدأ بتشخيص أسباب التعثر.
هل المشكلة في ضعف المبيعات؟ أم في تضخم المشتريات والمخزون؟ أم في ارتفاع المصاريف؟ أم في ضعف تحصيل الذمم المدينة؟ أم في التوسع وفتح الفروع دون دراسة كافية للتدفقات النقدية؟
بعد التشخيص، يجب تصنيف المنشآت المتعثرة إلى شركات قابلة لإعادة التشغيل، وأخرى تحتاج إلى إعادة هيكلة مالية وإدارية، ومنشآت تحتاج إلى مستثمر جديد، وأخرى لم تعد تمتلك جدوى اقتصادية ولا يجوز الاستمرار في تمويل خسائرها.
وهنا يأتي دور الحكومة والبنك المركزي والبنوك التجارية.
المطلوب إنشاء آلية وطنية للإنذار المبكر تراقب مؤشرات التعثر قبل وصول الشركات إلى مرحلة العجز الكامل عن دفع الرواتب والأقساط والالتزامات.
كما يجب تشجيع البنوك على التدخل المبكر لإعادة هيكلة الديون للشركات القابلة للاستمرار، بدلاً من الانتظار حتى تتوقف عن السداد واللجوء إلى التنفيذ والتحصيل.
وفي المقابل، يجب أن يكون أي دعم أو تمويل جديد مشروطاً بإصلاحات واضحة: ضبط المشتريات، تحسين إدارة المخزون، تسريع تحصيل الذمم، تخفيض المصاريف غير الضرورية، وقف التوسع غير المدروس، وتعزيز الرقابة المالية والإدارية.
أما الفروع المغلقة، فيجب دراسة إمكانية إعادة فتحها وفق أسس اقتصادية واضحة، لأن إعادة فرع إلى النشاط يمكن أن تعني عودة المبيعات وتوفير فرص العمل وتحريك الأسواق المحلية.
لكن فتح الفروع دون دراسة ليس حلاً؛ فالتوسع غير المدروس قد يكون أحد أسباب التعثر أساساً.
لذلك، أقترح إطلاق برنامج وطني تحت عنوان «إعادة التشغيل قبل الإغلاق»، بالشراكة بين الحكومة والبنك المركزي والبنوك والقطاع الخاص والخبراء الماليين والصناعيين.
برنامج يقوم على حصر المصانع والفروع المتوقفة، ودراسة أسباب تعثرها، وتصنيفها حسب قدرتها على العودة إلى النشاط، ثم وضع خطط إعادة هيكلة وتمويل ومتابعة لكل منشأة قابلة للاستمرار.
إن تكلفة إنقاذ شركة منتجة قبل انهيارها قد تكون أقل بكثير من تكلفة إغلاقها، وتسريح موظفيها، وتعثر ديونها، ثم انتظار مستثمر جديد يبدأ من الصفر.
الاقتصاد القوي لا يُبنى فقط بإنشاء مشاريع جديدة، بل بحماية المشاريع المنتجة، ومعالجة التعثر قبل تحوله إلى انهيار.
رسالتي إلى أصحاب القرار واضحة: لا تنتظروا المصانع حتى تغلق أبوابها، ولا الشركات حتى تعجز عن دفع رواتب موظفيها، ولا البنوك حتى تبدأ بإجراءات التنفيذ.
نحن بحاجة إلى التدخل المبكر، وإعادة الهيكلة، وربط التمويل بالإنتاج والتدفقات النقدية، وإعادة تشغيل المصانع والفروع القابلة للحياة.
لأن إعادة التشغيل اليوم أقل تكلفة من معالجة الانهيار غداً.
البوريى يكتب :إعادة التشغيل قبل الإغلاق… مبادرة وطنية يحتاجها الاقتصاد الأردني
التعليقات الأخيرة