أزمة المؤسسة الثقافية وسقوط معايير الإستحقاق في فضاء الجائزة
بقلم : محمد جمال الدين
حين تفقد المؤسسة الثقافية بوصلتها، وتتحول الجوائز من كونها تكريماً رمزياً للإبداع الخالص إلى آليات لتدوير الصغار، وتجفيف ينابيع الريادة، فإننا لا نكون بصدد مجرد خلل إداري عابر، بل نواجه أزمة أنطولوجية تعصف بكيان الأمة وذاكرتها، إذ إن الثقافة في جوهرها الفلسفي ليست ترفاً معرفياً، بل هي المناعة الروحية والعقلية للمجتمع، وحين يُعهد بإدارة هذه المناعة إلى عقول موظفة تعاني من أفق الضيق وغياب الرؤية الاستراتيجية، ينعكس المشهد لينتصر أصحاب المحسوبية على حساب الجدارة والإستحقاق، واليوم نشهد مخاضاً عسيراً تتنازعه إرادة وطنية عليا تسعى بصدق نحو تصحيح المسار في الجمهورية الجديدة على كافة الأصعدة، وبين جيوب بيروقراطية مأزومة تسعى لعرقلة هذا التحول عبر تهميش الكبار وتصعيد أصحاب الولاءات الشكلية.
إن القيمة الحقيقية للجوائز الكبرى لا تستمد شرعيتها من الأوراق الرسمية أو القرارات الإدارية، بل من سابق الأعمال، والثقل المعرفي المترسخ في وجدان الأمة، غير أن المشهد الثقافي المعاصر بات يعاني من هيمنة الناقد المخبر والمبدع محدود القيمة، أولئك الذين أدركوا بفطرتهم الوظيفية أن البقاء للأضعف، فعملوا على تضخيم الصغار وتغييب الكبار، إذ تحولت لجان التحكيم في كثير من مفاصلها إلى منصات لتصفية الحسابات الثقافية، وتهميش الشخصيات الحقيقية التي تزن الكلمة بميزان الوعي لا بميزان المصالح، مما أدى إلى إنقلاب دلالي خطير باتت معه شروط الإستحقاق مؤجلة لصالح العلاقات الشبكية والمحسوبية البغيضة.
وحين يتصدر المشهد من لا يملكون سوى أدوات الموظف الصغير، فإن الناتج الحتمي هو تفشي التسطيح المنهجي، إذ إن إدارة ثقافة أمة بحجم مصر تتطلب قامات إستثنائية تعيد الإعتبار للمنهجية العلمية والصرامة الفلسفية في النقد والإبداع، لا أدوات تدير الفعل الثقافي بمنطق الدفاتر والسجلات، إذ إن تغييب القامات الوازنة التي تضيف للمناصب بثقلها الرمزي والثقافي لا يمثل مجرد إقصاء لفرد، بل هو قطع لإتصال الذاكرة الحية للأجيال، وفتح الباب على مصراعيه أمام جهل منظم يتسلل إلى مفاصل الوعي الجمعي.
إن هذا العبث المنهجي بمقدرات الثقافة المصرية يمثل حجر عثرة حقيقي أمام طموحات الجمهورية الجديدة، تلك المرحلة المفصلية التي تقتضي تطهير المسارات وبناء إنسان عالي الوعي، وقادر على مواجهة تحديات العصر، فبينما تتجه إرادة الدولة العليا نحو الإصلاح الشامل والبناء المرتكز على الكفاءة، تعمل الفئات المتنفذة في البيروقراطية الثقافية على إعادة إنتاج الهامش، وتصعيد "الضعاف" ممن لا يملكون مشروعاً فكرياً حقيقياً سوى الولاء المطلق للدوائر الضيقة، وهذا التناقض الصارخ بين غايات القيادة السياسية وممارسات بعض الإدارات الثقافية ينذر بتبعات خطيرة تهدد البنية الرمزية والكيان المعنوي للوطن.
إن صرخات الوجع على واقع الثقافة المصرية اليوم ليست ترديداً لليأس، بل هي صرخة وعي فلسفي يرفض الإستسلام لموت المعنى وإستبدال الأصالة بالزيف، ومصر تمتلك كتيبة من النقاد الكبار والعلماء والمفكرين القادرين على إعادة صياغة وجهة الأمة، وإعادة الحق إلى نصابه، وعليه فإن إستعادة الوعي الثقافي تقتضي بالضرورة تفكيك هذه المنظومة المأزومة، وإجتثاث جذور المحسوبية والإنتقام، فلن تنهض أمة لا تحترم قاماتها، ولن تستقيم مسارات الجمهورية الجديدة إلا بعودة الفاعلية لأصحاب الإستحقاق الحقيقيين، لتظل الثقافة المصرية الحصن الأبدي للحرية والوعي والنور.
التعليقات الأخيرة