news-details
مقالات

الهايبرغامي وسوق الزواج الجديد.. لماذا تضيق الخيارات أمام المرأة الـ Overqualified؟

 

 

دكتورة مريم علام

 
دكتوراة القانون المدني و مدير وحده رعاية الوافدين بكلية التربية جامعة طنطا .

تشير أروقة علوم الاجتماع والسلوك النفسي مؤخراً إلى ظاهرة صامتة تعيشها أعداد متزايدة من النساء الحاصلات على درجات علمية رفيعة ومراكز مهنية وذوات شخصيات رائعة. في عالم الشركات والمؤسسات، بمصطلح "Overqualified" على المرشح الذي تتجاوز خبراته ومؤهلتاه المتطلبات الأساسية للوظيفة المعروضة، مما يجعله —بشكل ساخر— غير مرغوب فيه أحياناً خوفاً من ارتفاع كلفته أو الشعور بالتهديد من وجوده. واليوم، يبدو أن هذا المفهوم تسلل بخطى ثابتة إلى "سوق الزواج"، ليعيد تشكيل بوصلة العلاقات العاطفية في ضوء ما يُعرف بـ "معادلة الهايبرغامي" (Hypergamy).

فالهايبرغامي (Hypergamy) هو مفهوم اجتماعي قديم يشير إلى ميل بعض الأفراد "خاصة النساء" إلى اختيار شريك يتمتع بمكانة اجتماعية أو اقتصادية أو تعليمية مساوية أو أعلى منهم.
لكن اللافت أن السنوات الأخيرة شهدت تغيرًا جوهريًا في معادلة الزواج؛ فالنساء أصبحن أكثر تعليمًا واستقلالًا اقتصاديًا من أي وقت مضى، بينما لم تتغير توقعات بعض المجتمعات بالسرعة نفسها في تغيير المعادله .
فالمرأة التي حصلت على تعليم متميز، وبنت مسارًا مهنيًا ناجحًا، وطورت وعيًا نفسيًا واجتماعيًا، لا تبحث بالضرورة عن شخص أكثر ثراءً أو نفوذًا، لكنها غالبًا تبحث عن شريك يحقق قدرًا من التكافؤ الفكري والقيمي والعاطفي. وكلما ارتفع مستوى هذا التكافؤ المطلوب، تقلصت دائرة الاختيار.
ومن هنا ظهر في الأدبيات الاجتماعية مفهوم آخر أكثر دقة، هو "Marriage Squeeze" أو "ضيق سوق الزواج"، ويشير إلى اختلال التوازن بين أعداد النساء والرجال داخل الفئات التعليمية أو الاجتماعية نفسها، بحيث يصبح العثور على شريك متوافق أكثر صعوبة، حتى مع وجود عدد كبير من الأشخاص غير المرتبطين.
جذور الأزمة: الهرم المقلوب وارتباك الأدوار..
عندما تصل المرأة إلى هذا المستوى الاستثنائي من الكفاءة، ينكمش نطاق خياراتها المتاحة تلقائياً. المأزق لا يكمن فقط في ندرة الرجال الذين يفوقونها أو يماثلونها في هذه المؤهلات والوعي، بل يكمن أيضاً في الشق الآخر من المشكلة: نظرة المجتمع التقليدية لشخصية الرجل "المعيل ".
العديد من الرجال —بحكم الموروث الثقافي والتربية الاجتماعية— ينجذبون إلى علاقات توفر لهم الشعور بالاحتياج والسيطرة، ويشعرون بتهديد غير مرئي أمام امرأة لا تحتاج إلى دعمهم المالي، ولا تبهرها المظاهر السطحية، وتملك نظرة نقدية عالية للأمور. من هنا، تجد المرأة فائقة المؤهلات نفسها في مساحة رمادية: فهي من جهة تُمتدح في العلن على نجاحها الاستثنائي، ومن جهة أخرى تُعامل كـ "خيار معقد" في حسابات الزواج التقليدي..!! 

ومن الزوايا التي كثيرًا ما يغفلها النقاش، أن ما يُسمى بالمرأة Overqualified لا تكون متميزة فقط في تعليمها أو مسيرتها المهنية، بل قد تكون قطعت أيضًا رحلة طويلة في فهم ذاتها وإعادة بناء توازنها النفسي. فسنوات الدراسة، والعمل، وخوض التجارب، ومواجهة الإخفاقات، والاستثمار في تطوير الذات، قد تمنح الإنسان قدرًا أكبر من النضج الانفعالي، والقدرة على إدارة الخلافات، والتعبير عن احتياجاته بصورة صحية. لذلك، فإن ما تبحث عنه هذه المرأة لا يكون بالضرورة رجلًا أعلى منها مكانة أو دخلًا، بل رجلًا يمتلك قدرًا مشابهًا من السلام النفسي والاتزان العاطفي.

فالسلام النفسي ليس رفاهية، بل بيئة تنمو فيها العلاقة. ومن اعتاد حياة مستقرة، وحدودًا صحية، وحوارًا قائمًا على الاحترام، يجد صعوبة في تقبل علاقة يغلب عليها الصراع المستمر، أو الغيرة المرضية، أو السيطرة، أو التقلبات الانفعالية. إنها لا تبحث عن الكمال، لأن الكمال غير موجود، لكنها تبحث عن شريك يدرك ذاته، ويتحمل مسؤولية مشاعره، ويستطيع إدارة الخلاف دون إهانة، والاختلاف دون قطيعة.
لذلك، فإن قراءة تأخر الزواج باعتباره "ثمن النجاح" قد تكون قراءة مبسطة لواقع أكثر تعقيدًا. فكما أن النجاح لا يضمن الزواج، فإن الزواج أيضًا لا يقاس بسرعة حدوثه، بل بجودة العلاقة واستمرارها.

وفي النهاية، ربما لا تكون المرأة الـ Overqualified قد رفعت سقف توقعاتها بقدر ما رفعت سقف وعيها بما تحتاج إليه في شريك الحياة. وبين مجتمع لا يزال يتغير، وسوق زواج يعيد تشكيل قواعده، يبقى السؤال مفتوحًا: هل المشكلة في المرأة التي تطورت... أم في المعايير التي لم تتطور بالسرعة نفسها؟

 

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا