news-details
مقالات

أفكار بصوت مرتفع

 


زينب كاظم
سَكْرة الكُرسي
سنتحدث في هذا المقال عن صِراعُ العُرُوشِ مِنْ نُطْفَةِ البِدَايَةِ إلى وَهْمِ النِّهَايَةِ.
منذ أن خطّ القلم أولى صفحات الوجود، وثمّة غريزة خفيّة تحرّك هذا الكون؛ غريزة المغالبة والسيطرة. ليس الأمر وليد سياسة حديثة أو صراعات دولية معاصرة، بل هو ناموسٌ يبدأ من أدق تفاصيل البيولوجيا البشرية؛ فحتى قبل أن نولد، وفي العتمة الأولى، تخوض ملايين الحيوانات المنوية حرباً شرسة لا ترحم، يقتتل فيها الجميع ولا ينجو إلا الأقوى، ليتوّج بفوزٍ يمنحه حق الحياة، ويخرج إلى الدنيا طفلاً يحمل في جيناته دون أن يدري بذور هذا الصراع الأزلي.
ولم يكد الإنسان يطأ الأرض بقدميه حتى تُرجمت هذه الغريزة إلى أول جريمة في التاريخ عندما قتل قابيل أخاه هابيل؛ ولم يكن دافع الجريمة مجرد خلاف عابر، بل كان صراعاً على الأفضلية والمكانة، وإعلان أول سلطة دموية على الأرض. ومنذ تلك اللحظة، تحول كرسي السلطة إلى صنمٍ تُساق إليه القرابين البشرية؛ وعلى مر العصور سحق الملوك والسلاطين كل المبادئ الفطرية من أجل البقاء في قمة الهرم، فكم من جنينٍ بقروا بطن أمه خوفاً من أن يكبر وينازعهم الملك! وكم من أمٍّ تخلّصت من ولدها، وابنٍ هدر دم أبيه، فقط لأن بريق التاج أعماهم عن رابطة الدم والرحم.
ولم يقف الطغيان عند حدود السياسة، بل امتد ليتطاول على الطهر والقداسة؛ فالحكومات الظالمة التي تعاقبت على الأمة لم تجد غصّة في قتل الأئمة الأطهار عليهم السلام واستباحة حرماتهم ومطاردتهم، مدفوعةً بذات الرعب الأعمى  رعب زوال الكرسي الساحر وخسارة النفوذ.
والمأساة الكبرى تكمن في أن الناس يركضون خلف هذا الوهم وهم يجهلون طبيعته؛ إن كرسي السلطة والمال يملكان سحراً غادراً يلقي بغشاوة ثقيلة على العيون، فلا يعود صاحبها يرى إلا الجاه والتمكين. ينغمسون في لذة القوة الزائفة، وينسون الحقيقة المطلقة: أنها فترة قصيرة، مجرد قيلولة في ظل جدار، ثم يزول كل شيء كأنه لم يكن؛ فيذهب الملوك، وتفنى العروش، وتتبخر الأموال، ولا يبقى في جوف القبر إلا كفن أبيض وعمل يُسأل صاحبه عنه بميزان مثاقيل الذر.
أمّا الحقيقة الغائبة، فهي أن السلطة تكليفٌ لا تشريف؛ إذ إن ما يغيب عن وعي الكثيرين هو الفلسفة الحقيقية للحكم في منهج الله عز وجل. إن تولي أمور الناس والسلطة عليهم ليسا تشريفاً يُباهى به، ولا مغنماً يُتقاتل عليه لجمع الثروات، بل هو تكليف مرعب وهائل، وأمانةٌ عُرضت على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها. فالراعي ومَن يتولى رقاب العباد هو خادمٌ لهم، ومسؤول عن إقامة العدل، ونصرة المظلوم، وحفظ الحقوق؛ يجب أن يؤدي واجبه على أتم وجه، واضعاً نصب عينيه يوماً يقف فيه حافياً عارياً أمام ملك الملوك، حيث لا ينفع كرسيٌّ زائل، ولا جاهٌ فانٍ، بل فقط رضا الله عز وجل والنجاة من خزي الدنيا وعذاب الآخرة.
فيا باحثاً عن السلطة بالدم والظلم، أفق من سكرتك.. فالكرسي الذي تجلس عليه اليوم، كان تحت غيرك بالأمس، وسيكون قبراً لآخرتك غداً.

 

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا