مجدي صقر.. حين يصبح السعي حكاية.. قصة شاب ثلاثيني اختار أن يعمل ويكافح ويحافظ على ابتسامته في زمن لا يمنح أحدًا طريقًا سهلًا
الكاتب الصحفي والناقد الفني عمر ماهر
في كل مدينة آلاف الوجوه التي تمر أمامنا كل يوم دون أن نعرف أسماء أصحابها، آلاف الأشخاص الذين نراهم للحظات ثم نكمل طريقنا، ونظن أن ما نراه أمامنا هو كل الحكاية، بينما الحقيقة أن كل وجه يخفي وراءه عمرًا كاملًا من التفاصيل، وكل ابتسامة قد تكون جاءت بعد يوم طويل من التعب، وكل شخص نعتقد أن حياته عادية ربما يكون قد خاض معارك لا يعرف عنها أحد شيئًا. ومن بين هذه الوجوه يأتي مجدي صقر، شاب ثلاثيني قد يبدو لمن يراه للمرة الأولى شخصًا عاديًا يؤدي عمله ويعيش يومه مثل ملايين الشباب، لكن الاقتراب من شخصيته يكشف حكاية مختلفة؛ حكاية إنسان قرر أن يتعامل مع الحياة كما جاءت إليه، لا كما كان يتمنى أن تأتي، وأن يبدأ من النقطة التي وجد نفسه فيها، بدلًا من أن يظل واقفًا يبحث عن نقطة بداية مثالية قد لا تأتي أبدًا.
مجدي يعمل مندوبًا في شركة «إندومي»، وربما تبدو الجملة في ظاهرها مجرد تعريف وظيفي بسيط، لكنها في الحقيقة تحمل داخلها تفاصيل كثيرة عن معنى العمل والمسؤولية والسعي. فأن تكون مندوبًا يعني أن تكون في حركة مستمرة، وأن تتعامل مع أشخاص مختلفين، وأن تعرف كيف تتواصل، وكيف تحافظ على هدوئك، وكيف تنجز ما عليك في نهاية اليوم مهما كانت الظروف، لكنه يعني أيضًا أن تتعلم شيئًا أكبر من طبيعة الوظيفة نفسها؛ أن تتعلم كيف تعتمد على نفسك، وكيف تحترم لقمة العيش التي تأتي بعد مجهود، وكيف تفهم أن كل عمل شريف يستحق الاحترام، مهما كان بسيطًا في نظر من لا يعرفون تفاصيله.
ولعل أكثر ما يلفت النظر في مجدي أنه لا يبدو كشخص يحاول الهروب من واقعه أو يخجل من بدايته، وإنما يبدو كإنسان تصالح مع فكرة أن كل طريق له بداية، وأن قيمة الإنسان لا تحددها الوظيفة التي يعمل بها، بل الطريقة التي يؤدي بها هذه الوظيفة، والأخلاق التي يحملها وهو يؤديها، والقدرة التي يمتلكها على تحويل كل تجربة إلى خطوة جديدة في حياته. وربما يكون هذا النوع من التصالح مع النفس أصعب مما يبدو، لأن الإنسان في الثلاثينيات تحديدًا يبدأ في النظر إلى حياته بعين مختلفة، ويبدأ في مقارنة نفسه بالآخرين، ويتساءل عن المكان الذي وصل إليه، وعن الأشياء التي حققها، وعن الأحلام التي ما زالت بعيدة، وعن السنوات التي مرت بسرعة أكبر مما كان يتوقع.
لكن مجدي يبدو وكأنه اختار ألا يضيع وقته في المقارنات، وأن يركز أكثر على الطريق الذي أمامه.
فهو يعرف أن لكل إنسان توقيته الخاص، وأن ما يحدث مع شخص في الخامسة والعشرين قد لا يحدث مع آخر إلا بعد الثلاثين، وأن هناك من يصل مبكرًا ثم يتوقف، وهناك من يبدأ متأخرًا لكنه يصل إلى مكان أبعد مما توقع الجميع. ولذلك فإن أهم ما يمكن أن يفعله الإنسان ليس أن يسأل طوال الوقت: «لماذا لم أصل بعد؟»، وإنما أن يسأل نفسه: «ماذا أفعل اليوم حتى أقترب؟».
وهذا السؤال ربما يكون هو الفارق بين من يحلم ومن يسعى.
مجدي من الشخصيات التي تستطيع أن تشعر بحضورها حتى دون أن تحاول فرضه، وهذه واحدة من أجمل صفات الكاريزما؛ أن يكون للإنسان تأثير دون أن يطلبه، وأن يكون حضوره واضحًا دون أن يرفع صوته، وأن يترك في الشخص الذي أمامه إحساسًا جيدًا حتى بعد انتهاء الحديث. كاريزمته ليست مجرد مظهر أو طريقة للظهور، وإنما مزيج من الثقة والبساطة والقدرة على التعامل مع الناس، وهي صفات لا تأتي عادةً من فراغ، وإنما تتكون مع الوقت من الاحتكاك بالحياة ومن كثرة المواقف التي يمر بها الإنسان.
هناك أشخاص عندما تتحدث معهم تشعر أنك أمام شخصية تحاول طوال الوقت أن تثبت شيئًا، وهناك أشخاص آخرون لا يحاولون إثبات أي شيء، لأنهم ببساطة مرتاحون مع أنفسهم، ومجدي يبدو أقرب إلى النوع الثاني؛ فهو لا يحتاج إلى أن يقول للناس إنه صاحب شخصية مميزة، لأن طريقة تعامله يمكن أن تقول ذلك عنه دون كلمات كثيرة.
لكن خلف الابتسامة والحضور والكاريزما توجد منطقة أخرى أكثر عمقًا؛ منطقة الإنسان الذي يعرف معنى المسؤولية.
فلا أحد يستطيع أن يستمر في العمل يومًا بعد يوم دون أن يواجه لحظات يشعر فيها بالتعب، ولا أحد يستطيع أن يعيش سنواته دون أن يصطدم بأيام ثقيلة، ولا توجد حياة عملية بلا ضغوط أو مواقف تجعل الإنسان يعيد حساباته. الفرق الحقيقي ليس في غياب الصعوبات، وإنما في طريقة التعامل معها، وهنا تظهر شخصية الإنسان التي لا يراها الناس في الصور.
قد يمر اليوم صعبًا، لكن اليوم التالي يأتي، والعمل ينتظر، والحياة لا تتوقف، والإنسان أمام اختيارين؛ إما أن يسمح للتعب بأن يوقفه، أو أن يأخذ نفسًا عميقًا ويكمل.
ومجدي اختار أن يكمل.
ربما لم يكن كل يوم جميلًا، وربما لم تكن كل الظروف مثالية، وربما جاءت لحظات لم يكن فيها الطريق واضحًا، لكن مجرد الاستمرار في حد ذاته كان قرارًا. والقرارات الصغيرة التي نتخذها في الأيام العادية هي التي تصنع في النهاية شكل حياتنا.
أن تخرج من بيتك وتذهب إلى عملك رغم أنك متعب، أن تنهي مسؤولياتك رغم أن مزاجك ليس جيدًا، أن تتعامل باحترام مع شخص ربما لم يمنحك المعاملة نفسها، أن تحافظ على ابتسامتك رغم أن لديك مشاكلك الخاصة، كل هذه الأشياء تبدو بسيطة عندما ننظر إليها منفردة، لكنها عندما تتكرر مئات المرات تصبح شخصية كاملة.
ولهذا فإن قصة مجدي ليست قصة يوم واحد، وإنما قصة أيام كثيرة تراكمت فوق بعضها البعض، وصنعت في النهاية شابًا يعرف كيف يتعامل مع الحياة.
ومع مرور السنوات، يبدأ الإنسان في اكتشاف أن بعض الأشياء التي كان يراها في البداية صعبة جدًا أصبحت عادية، وأن المواقف التي كانت تزعجه أصبحت دروسًا، وأن الأشخاص الذين كانوا يسببون له التوتر أصبح قادرًا على التعامل معهم بسهولة أكبر. الحياة نفسها تتحول إلى مدرسة، والعمل واحد من أهم فصول هذه المدرسة، لأنه يضع الإنسان أمام شخصيات ومواقف لا يمكن تعلمها من الكتب.
ومن خلال العمل، يتعلم الإنسان أن الناس ليسوا نسخة واحدة، وأن كل شخص لديه ظروفه وطبيعته وط
التعليقات الأخيرة