المؤرخ اليوناني هيرودوت( 1/3) النص الثالث والأخير *
ملفينا توفيق ابو مراد/لبنان
*
لم يكن هيرودوت، الذي عُرف بلقب «أبو التاريخ»، مجرد مؤرخ ينقل الأخبار عن الشعوب التي عاصرها، بل كان يسافر ويشاهد ويسأل ويقارن، ولذلك أصبحت شهاداته من أهم المصادر التي حفظت لنا جانبًا من تاريخ الفينيقيين وانتشارهم في العالم القديم.
ومن بين أكثر ما لفت انتباهه براعة الفينيقيين في الصناعات والتجارة والتعدين، إضافة إلى ما شاهده بنفسه في مدينة صور وفي جزيرة ثاسوس.
مهارة الفينيقيين في صناعة الأرجوان:
ارتبط اسم الفينيقيين منذ العصور القديمة بصناعة صبغة الأرجوان الشهيرة، التي كانت تُستخرج من أصداف الموريكس البحرية، واشتهرت بها بصورة خاصة مدينتا صور وصيدا.
وكان الأرجوان الفينيقي من أثمن الأصبغة في العالم القديم، حتى ارتبط بالملابس الفاخرة وبالملوك والطبقات الثرية والطقوس الدينية. ولم تكن قيمة هذه الصبغة في لونها المميز فحسب، بل في صعوبة استخراجها وتحضيرها، وفي ثبات لونها وجودته، الأمر الذي جعل المنسوجات المصبوغة بها من السلع الثمينة التي حملها التجار الفينيقيون إلى مختلف مناطق البحر المتوسط.
وهكذا لم تكن المدن الفينيقية مراكز للتجارة البحرية فقط، بل كانت أيضًا مراكز للصناعة والحرف الراقية، ومنها انتقلت منتجاتهم إلى الأسواق البعيدة.
لغز مناجم الذهب الفينيقية في جزيرة ثاسوس.
من الشهادات اللافتة التي قدمها هيرودوت عن الفينيقيين شهادته المتعلقة بجزيرة ثاسوس اليونانية.
ففي كتابه السادس من «التواريخ»، يقول هيرودوت إنه رأى المناجم بنفسه، ويذكر أن أكثرها إثارة للدهشة كانت المناجم التي اكتشفها الفينيقيون عندما وصلوا إلى الجزيرة مع رجل اسمه ثاسوس، وأن الجزيرة أخذت اسمها منه بحسب الرواية التي نقلها.
كم يحدد هيرودوت موقع المناجم الفينيقية بين منطقتي أينيرا وكينيرا في ثاسوس، مقابل جزيرة ساموثراكي، ويصفها بأنها كانت في جبل عظيم جرى حفره والتنقيب فيه بحثًا عن الخامات المعدنية.
وهنا تأتي إحدى أكثر العبارات إثارة في شهادته؛ إذ وصف أثر أعمال التنقيب بأن جبلًا عظيمًا قد جرى قلبه رأسًا على عقب في البحث عن الخامات.
أما رقم ثمانين وزنة من الذهب سنويًا الذي يورده هيرودوت، فيتعلق بمناجم سكابتي هيل في البر الرئيسي، وليس بمناجم ثاسوس الفينيقية نفسها؛ فقد أوضح أن مناجم ثاسوس كانت تدرّ أقل من ذلك، مع بقائها مصدرًا مهمًا للثروة.
تكشف هذه الشهادة عن جانب آخر من نشاط الفينيقيين؛ فهم لم يكونوا بحارة وتجارًا فقط، بل امتلكوا خبرة في استغلال الثروات المعدنية أينما وجدوا، وهو ما يضيف التعدين إلى قائمة المجالات التي مارسوا فيها نشاطهم خارج موطنهم الأصلي.
هيرودوت في صور ومعبد ملقرت :
ومن أهم مشاهدات هيرودوت الشخصية رحلته إلى مدينة صور، حيث أراد أن يتحقق بنفسه من بعض المعلومات المتعلقة بالإله الذي كان اليونانيون يسمونه هرقل.
يذكر في كتابه الثاني، الفقرة 44، أنه أبحر إلى صور بعدما علم بوجود معبد مقدس للإله هرقل، وهناك شاهد المعبد بما فيه من القرابين والنذور والهدايا الكثيرة، كما شاهد عمودين عنده؛ أحدهما من الذهب المصقول، والآخر وصفه بأنه من حجر الزمرد، وكان كبيرًا ويضيء ليلًا.
وكان هيرودوت يربط هذا الإله الفينيقي ملقرت بالإله الذي عرفه اليونانيون باسم هرقل، ولذلك جاءت شهادته مهمة في دراسة أوجه التشابه والتفاعل الديني بين العالم الفينيقي والعالم اليوناني.
ولم يكتفِ هيرودوت بالمشاهدة، بل تحدث مع كهنة المعبد وسألهم عن تاريخ بنائه، فأخبروه أن المعبد تأسس في الوقت نفسه الذي تأسست فيه مدينة صور، وأن ذلك كان قبل نحو 2300 عام من زمنهم. وهذه المعلومة نقلها هيرودوت بوصفها شهادة الكهنة الذين تحدث إليهم، لا باعتبارها تاريخًا أثريًا أثبته بنفسه.
كما يذكر هيرودوت أنه شاهد في صور معبدًا آخر للإله هرقل، يحمل صفة الثاسي، ثم ذهب بنفسه إلى ثاسوس، حيث وجد معبدًا للإله نفسه أقامه الفينيقيون، الذين استوطنوا الجزيرة في زمن قديم أثناء رحلاتهم في البحر.
أما حقيقة العمود الذي وصفه بأنه من الزمرد، فقد بقيت موضع تساؤل وتفسير عبر العصور؛ فلا يمكن الجزم من رواية هيرودوت وحدها بطبيعة المادة التي رآها، ولذلك تبقى هذه الجزئية واحدة من ألغاز وصفه لمعبد صور.
شهادة هيرودوت على الانتشار الفينيقي :
تتجمع في شهادات هيرودوت صورة واضحة للفينيقيين باعتبارهم شعبًا بحريًا نشطًا، حمل تجارته وصناعته وثقافته إلى جزر وموانئ ومناطق بعيدة من البحر المتوسط.
وفي ثاسوس تحديدًا، لا يكتفي هيرودوت بسماع قصة عن وجود الفينيقيين، بل يقول بوضوح إنه رأى المناجم بنفسه، ثم يربطها بالفينيقيين الذين سبقوا إلى الجزيرة مع ثاسوس. كما أنه رأى في ثاسوس معبدًا أقامه الفينيقيون، وهو ما يجعل شهادته من المصادر المهمة التي تحدثت عن وجودهم في هذه المنطقة من العالم اليوناني.
وهنا تتجلى أهمية هيرودوت بالنسبة إلى دراسة التاريخ الفينيقي؛ فهو لم ينقل لنا صورة الفينيقيين من زاوية واحدة، بل ظهروا في كتابه بحارة وتجارًا وصناعًا وعمال تعدين وأصحاب معابد ومستوطنات، وكان وجودهم جزءًا من شبكة واسعة من العلاقات التجارية والثقافية التي ربطت شرق المتوسط بغربه.
الفينيقيون بين التاريخ والذاكرة الحضارية:
عندما نجمع شهادات هيرودوت عن صور وثاسوس وغيرها، نجد أن الفينيقيين يظهرون في كتابه كقوة حضارية بحرية تركت آثارها في أكثر من مجال.
فالأرجوان الذي اشتهرت به مدنهم، والموانئ التي نشطوا فيها، والمستوطنات التي أقاموها، والمناجم التي استثمروها، والمعابد التي حملت أسماء آلهتهم، كلها تشكل حلقات في قصة واحدة:
قصة شعب جعل البحر طريقًا للتجارة والتواصل والانتشار الحضاري.
ولعل أهمية شهادة هيرودوت لا تكمن فقط في المعلومات التي نقلها، بل في أنه كان شاهدًا على زمن أصبحت فيه آثار الفينيقيين قديمة بالفعل، ومع ذلك بقي حضورها واضحًا في المدن والجزر التي زارها.
من هنا فإن قرأة هيرودوت لا تعني قرأة تاريخ الفينيقيين من وجهة نظرهم هم، بل قرأة شهادة مؤرخ يوناني وقف أمام آثارهم وسأل عنها، وسافر إلى أماكن وجودهم، وسجل ما رآه وما سمعه من أهل تلك البلاد وكهنتها.
يتبين لنا ان هيرودوت يبقى شاهدًا مهمًا على الرحلة الفينيقية في العالم القديم، وعلى ذلك الحضور الذي امتد من سواحل المشرق إلى جزر البحر المتوسط، تاركًا وراءه آثارًا ، ما زالت تستوقف المؤرخ والباحث حتى اليوم.
٢٠٢٦/٨/١٦
التعليقات الأخيرة