بقلم/ناني عادل
في حياة الانسان لحظة يقف فيها امام نفسه دون ان يستطيع الهروب منها فلا يوجد شخص آخر يلومه ولا صوت من الخارج يشغله ولا كلمات يستطيع ان يستخدمها ليبرر ما حدث وفي تلك اللحظة فقط تبدأ المواجهة الحقيقية بين الانسان وبين صورته التي يحملها عن نفسه
فالانسان قد يقضي سنوات طويلة وهو يحاول ان يظهر بصورة معينة امام الآخرين وقد يهتم كثيرا بما يقال عنه وقد يغير من طريقته حتى يناسب المكان الذي يوجد فيه وقد يتنازل عن اشياء يحبها حتى لا يخسر اعجاب من حوله ثم يكتشف بعد وقت طويل ان ارضاء الجميع جعله بعيدا عن نفسه
والمرآة الحقيقية لا تظهر شكل الوجه فقط بل تكشف اشياء اعمق بكثير تكشف مقدار الصدق في الكلام ومقدار الوفاء في المواقف وتكشف هل الانسان يعيش وفقا لما يؤمن به ام انه يقول شيئا ويفعل شيئا اخر وتكشف ايضا كم مرة ظلم نفسه حتى يحافظ على صورة جميلة امام الناس
ومع مرور العمر يبدأ الانسان في اكتشاف ان اصعب مواجهة ليست مع من اساء اليه بل مع الاخطاء التي ارتكبها هو فقد يكون من السهل ان يتحدث عن قسوة الآخرين لكن من الصعب ان يعترف بأنه سمح لبعض الاشخاص بتجاوز حدوده او انه تأخر في الرحيل او انه منح الثقة لمن لم يكن يستحقها
وهنا يبدأ نوع مختلف من النضج لأن الاعتراف بالخطأ لا يعني ان الانسان ضعيف بل يعني انه امتلك شجاعة النظر الى الحقيقة دون تجميل فالانسان الذي لا يستطيع الاعتراف بخطئه سيظل يكرر الخطأ نفسه وهو يعتقد ان المشكلة دائما في الآخرين
ويتعلم ايضا ان هناك فرقا كبيرا بين جلد النفس ومراجعتها فجلد النفس يجعل الانسان يعيش اسيرا للماضي بينما المراجعة تجعله يفهم ما حدث ويستفيد منه ثم يتحرك الى الامام فليس المطلوب ان يعاقب نفسه على ما مضى بل ان يمنع نفسه من تكرار ما يؤلمه
ومع كل تجربة تصبح صورته امام نفسه اكثر وضوحا فيعرف نقاط قوته ونقاط ضعفه ويعرف ما يستطيع تحمله وما لا يستطيع ويعرف الاشياء التي تستحق ان يقاتل من اجلها والاشياء التي من الافضل ان يتركها دون معركة
وقد يكتشف ان اكثر ما كان يزعجه في الآخرين هو شيء موجود داخله هو ايضا وربما يكون اكثر ما كان يرفضه في شخص معين هو جزء من خوفه او نقصه او غضبه ولذلك تصبح مواجهة النفس فرصة لفهم الآخرين ايضا وليس فقط لفهم الذات
فالانسان عندما يصبح اكثر رحمة مع نفسه يصبح اكثر رحمة مع غيره وعندما يفهم ان لكل شخص معاركه التي لا يراها يتوقف عن اصدار الاحكام السريعة ويبدأ في التعامل مع الناس بقدر اكبر من الهدوء
ومع ذلك لا تعني الرحمة ان يتنازل الانسان عن حقوقه ولا ان يسمح لمن يؤذيه بالاستمرار في حياته فالمرآة الصادقة تعلمه ايضا ان احترام الذات جزء من الرحمة وان الابتعاد عن الاذى ليس قسوة وان وضع الحدود ليس عداء
وحين يتأمل الانسان صورته القديمة يرى كم تغير فقد كان يخاف من اشياء اصبحت اليوم بسيطة بالنسبة اليه وكان يتألم من كلمات لم تعد تعنيه وكان يعتقد ان بعض الاشخاص لا يمكن ان يعيش بدونهم ثم مرت الايام واكتشف انه استطاع الاستمرار
ويفهم ان الزمن لا يغير ملامح الوجه فقط بل يغير طريقة النظر الى الحياة ايضا فالشخص الذي كان يبحث عن التصفيق قد يصبح يبحث عن راحة الضمير والشخص الذي كان يخاف من الوحدة قد يصبح قادرا على الجلوس مع نفسه دون خوف والشخص الذي كان يركض خلف الجميع قد يتعلم ان من يريد البقاء يعرف كيف يبقى
وفي لحظة صادقة مع النفس قد يسأل الانسان نفسه سؤالا بسيطا لكنه عميق
هل انا سعيد حقا بما اصبحت عليه
وهذا السؤال قد يفتح ابوابا كثيرة كانت مغلقة منذ سنوات لأن الانسان قد يكتشف انه حقق اشياء كثيرة لكنه لم يحقق ما كان يحتاجه فعلا وقد يجد ان بعض النجاحات لم تمنحه الراحة التي توقعها وقد يفهم ان السعادة ليست دائما في الوصول الى ما نريد بل في ان نعيش بطريقة لا نخسر فيها انفسنا
ومن هنا يبدأ التغيير الحقيقي
ليس التغيير الذي يراه الناس في الملابس او الكلام او المكان بل التغيير الذي يحدث داخل القرار نفسه عندما يتوقف الانسان عن فعل شيء لأنه يخاف من رأي الآخرين وعندما يقول لا دون ان يشعر بالذنب وعندما يعتذر دون ان يشعر ان الاعتذار يقلل من قيمته وعندما يرحل دون ان يحتاج الى الانتقام
ويتعلم ان الحياة ليست مسابقة للحصول على اعجاب الجميع لأن هذا الهدف مستحيل فهناك من سيحبك مهما فعلت وهناك من سيكرهك مهما احسنت وهناك من سيغير رأيه فيك حسب مصالحه ولذلك يصبح من الحكمة ان يجعل الانسان ميزانه الداخلي اقوى من تقلبات الناس
ومع مرور السنوات يعرف ان الانسان لا يحتاج الى اثبات قيمته في كل موقف فبعض الامور لا تحتاج الى دفاع وبعض الاتهامات لا تحتاج الى رد وبعض العلاقات لا تحتاج الى محاولة اخيرة لأن الشخص الذي يعرف نفسه لا يعيش طوال الوقت في محكمة ينتظر من الآخرين اصدار حكم لصالحه
وحين يقف امام مرآته مرة اخرى لا يبحث عن انسان كامل لأنه يعرف ان الكمال ليس من طبيعة البشر بل يبحث عن انسان صادق يحاول ان يكون افضل من نفسه القديمة
يرى اخطاءه لكنه لا يكره نفسه بسببها
يرى ضعفه لكنه لا يستسلم له
يرى ماضيه لكنه لا يسمح له بأن يكتب مستقبله
يرى خساراته لكنه يعرف ان ما بقي معه يستحق الشكر
ويرى ندوبا قديمة لكنه يعرف انها دليل على انه مر من اماكن صعبة ولم يتوقف
يدرك ان اعظم انتصار يمكن ان يحققه الانسان هو ان يصل الى مرحلة لا يحتاج فيها الى الكذب على نفسه حتى يشعر بالراحة وان يستطيع ان يقول هذا انا بما لي وما علي بما تعلمته وما اخطأت فيه بما نجحت فيه وما فشلت فيه ثم يقرر رغم ذلك ان يكمل الطريق
فالمرآة لا تطلب منك ان تكون مثاليا ولا تمنحك فرصة لتغيير ما مضى لكنها تمنحك شيئا اهم وهو الصدق ومع الصدق يبدأ التصحيح ومع التصحيح يبدأ النضج ومع النضج يصبح الانسان قادرا على ان يعيش حياته لا كما يريد الآخرون ان يروه بل كما يريد هو ان يكون
وعندما يصل الى تلك المرحلة تصبح صورته امام نفسه اهم من صورته امام الناس ويصبح سلامه الداخلي اغلى من تصفيق عابر وتصبح كرامته اهم من علاقة تستنزفه ويصبح عمره اثمن من ان يضيعه في اثبات شيء لمن لا يريد ان يراه
وهنا فقط يعرف الانسان ان اجمل مرآة ليست تلك التي تخبره كيف يبدو امام الناس بل تلك التي تجعله يرى نفسه بوضوح ثم تمنحه الشجاعة ليغير ما يحتاج الى تغيير ويحافظ على ما يستحق البقاء ويكمل حياته بقلب اكثر صدقا وروح اكثر هدوءا وعين لا تخاف من الحقيقة مهما كانت مختلفة عن الصورة التي كان يتمنى ان يراها
مرآة
التعليقات الأخيرة