بين صرخات الموظفين ومرارة المماطلة « لا حياة لمن تنادي
»
بقلم: اشرف رضا
قال الله تعالى في سورة النمل على لسان النملة حين رأت جيش سيدنا سليمان: {يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ}. صدق اللهالعظيم
فبرغم صغر حجم النملة، إلا أن سيدنا سليمان سمعها بما أنعم الله عليه من الملك والحكمة، بينما نعيش اليوم واقعاً مريراً ينادي فيه الموظف ويصرخ، فلا يجد أذناً تصغي ولا عيناً تُقيم، وكأننا في زمن "لا حياة لمن تنادي".
تتجلى المأساة حين نكتشف أن وجه الشبه بين صرخة نملة الأمس ونداء موظف اليوم يكمن في ذلك الصمت الذي يُقابل به الصوت الخافت.
فنملة الأمس رغم ضئالة حجمها إلا أن سمعها سيدنا سليمان ، أما صرخات الموظف اليوم ، الذي يتأخر صرف مستحقاته المالية يجد نفسه كائناً خفياً في نظر مؤسسته، تُسحَق حقوقه تحت أقدام الفشل الإداري والعقول المتصلبة ، دون أن يشعر به أحد.
حتى تحولت المطالبة بالحق البسيط الذي هو مقابل عرق الجبين وساعات الكد إلى رحلة استجداء مأساوية في أروقة تلك المؤسسات الحكومية، حيث يُجبر الإنسان على كسر كبريائه ليسمع ردوداً مطاطية مكررة من قبيل "السيولة غير متوفرة أو لا توجد سيولة أصلاً".
ولم تعد هذه الأزمة تقف عند حدود الضيق النفسي أو التردي المعيشي داخل المنازل، بل امتدت لتحدث شللاً كلياً يُعطل حركة الحياة اليومية للموظف.
لقد أصبحت أبسط البديهيات المتمثلة في القدرة على الذهاب إلى العمل عبئاً ثقيلاً يعجز الكثيرون عن تحمله، فمع الارتفاع المتواصل في أسعار المواصلات وتكاليف التنقل اليومية، يجد الموظف نفسه محاصراً في معادلة مستحيلة، إذ كيف يُطالَب بالحضور الالتزامي والانضباط الإداري وهو لا يملك حتى أجر أو تكلفة مواصلاته للوصول إلى مقر عمله؟
إنه يُدفع دفعاً للاقتراض وتسول التكاليف لمجرد الذهاب لمؤسسة تُماطل في منحه أجر جهده المتأخر، ليصل إلى عمله بجسد منهك وعقل معلق بكيفية العودة إلى بيته بجيوب خاوية، مفضلاً في كثير من الأحيان الاستدانة لإطعام أطفاله على أن ينفق المتبقي لديه على مواصلات تؤديه لعمل لا يدفع له.
إن هذا التجريف الإنساني والمؤسسي ينعكس مباشرة على البيئة الإدارية ككل؛ فعندما تنفصل القيادة عن آلام المرؤوسين، تتآكل الثقة ويصبح شعور الغضب والاحتقان هو الحاكم، مما يحول العمل الإداري من رسالة سامية إلى عبء ثقيل ومحبط يُجهز على أي أمل في الإبداع أو الإنتاجية.
ومع غياب الاستماع والإحساس، كما فعل سليمان عليه السلام، تتحول المؤسسات الحكومية إلى بيئات طاردة للكفاءات الحقيقية، ومستنقعات للإحباط الجماعي، مما يضر بالصالح العام ويهدم جودة الخدمات المقدمة للمؤسسة وللمواطنين.
فيجب على المسؤلين بتلك المؤسسات أن تتحلى بروح الشفافية والمسؤولية التي تقتضيها الاقتداء بالحكمة من قصة سيدنا سليمان مع النملة الصغيرة، بالتوقف والإصغاء وتدارك الضرر قبل وقوعه، عبر تحسين الآليات المالية ، والعمل على صرف الحقوق المالية المتأخرة ، وتحديد مواعيد محددة وثابتة لصرف تلك المستحقات.
حيث تقتضي العدالة المؤسسية ألا تظل نداءات الموظفين مجرد صرخات نمل مكتومة في ممر عاصف؛ فالمؤسسة الحية هي التي تسمع الصوت الأصغر وتستجيب له وتضمن له مقومات العيش والتنقل والكرامة، قبل أن يُحطم الفشل والغلاء إنسانية الإنسان.
التعليقات الأخيرة