بحر الدموع..رثاء الأبناء للآباء دراسة تحليلية
كتبه: د. محمد علي عطا
الرثاء غرض أصيل من أغراض الشعر العربي قديمًا وحديثًا، بل هو أصدق أغراضه، إذ لا يكون عن طمع ولا حاجة، بل يكون بعاطفة صادقة، وتنوعت أنواعه فكان منه رثاء المدن مثل رثاء أبي البقاء الرندي للأندلس، ورثاء سعيد عقل للقدس، ورثاء الأنبياء والخلفاء والملوك والقادة، مثل رثاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورثاء من بعده من الخلفاء والقادة حتى مثل رثاء نزار قباني لجمال عبد الناصر، ورثاء النفس مثل رثاء مالك بن الريب التميمي لنفسه، ورثاء الأخ مثل رثاء الخنساء لأخويها صخر ومعاوية، ورثاء الزوجة مثل رثاء جرير لزوجته، ونزار قباني لبلقيس، ورثاء الأبناء للآباء.
وقد اطلع هذا البحث شعر رثاء الأبناء للآباء منذ العصر الجاهلي حتى العصر الحاضر-حسب الوسع- ودرسه، وتكمن أهمية ذلك في أنه يتيح فهمًا أعمق للعلاقة بين الإنسان العربي والموت، وبين الذاكرة والهوية، وبين الجماعة والذات، كما يكشف عن تطوّر الحساسية الجمالية والفكرية في الشعر العربي، وعن قدرة هذا الفن على التعبير عن أعمق التجارب الإنسانية وأكثرها هشاشة، فهو يقدم قراءة نقدية موسّعة لبنية الحزن العربي، وإبراز كيف حفظ شعر الرثاء سيرة العرب الشعورية، وكيف ظلّ هذا الغرض قادرًا على مواكبة تحوّلات المجتمع العربي عبر الزمن.
ويلاحظ البحث كثرة رثاء النساء لآبائهن في العصر الجاهلي، حتى أن بنات عبدالمطلب رثين أباهن قبل أن يموت بطلب منه، ومنهن من أعادت رثاءه بعد موته، ومن الشعراء من رثى أباه في قصيدتين مثل كشاجم، ومنهم من رثى أباه في بيتين، ومنهم من تجاوزت قصيدته مائة بيت مثل تميم البرغوثي، ومنهم من كان شعره حارَّ المشاعر، ومنهم من كان شعره باردًا مثل قصيدة أحمد شوقي وتميم البرغوثي.
وهي ملاحظات جديرة بالدراسة جنوسيًّا؛ لسبر الفروق بين شعر النساء وشعر الرجال في العصر الجاهلي، وعن اختلاف المعاني التي تناولها شعر الرثاء في العصور المتعاقبة، وبدراستها بنيويًّا وتعاقبيًّا؛ للكشف بدقة عن تاريخ الحزن العربي على الآباء، وإعطاء صورة دقيقة عن تاريخ الحزن لفقد الأب، فشعر الرثاء حفظ سيرة العرب الشعورية وسجل الوعي العربي بفقد الأب، كما حفظ شعر الفخر سيرة العرب البطولية، وشعر الغزل سيرتهم العاطفية، وشعر الوصف ذاكرتهم البصرية.
ففي العصر الجاهلي نجد رثاء النساء لآبائهن بكاءً صارخًا؛ لأن رثاءهن رثاء وظيفيّ، حيث المرأة ندَّابة القوم، ومعلنة الحزن، والمحرضة على الثأر، وحافظة لذكر الميت لأكبر وقت، والرثاء عندهن كان امتدادًا للمدح؛ حيث يركز على فكرة أن الأب كان صوت القبيلة، ويستحوذ على رثائهن همّ الجماعة، ويبكين الميت بوصفه عمودًا للأسرة والقبيلة، ويركزن على الفخر الحربي، وذكر الشجاعة، وصفات الفروسية، والكرم، والحض على طلب الثأر إن كان مات مقتولًا، وتظهر مفردات البيئة الجاهلية مثل: السيوف، والطعن، والدماء، الطود، القناة، القفر، ومن ذلك قول خالدة بنت هاشم:
وربيعٍ للمجتَدِين ومُزنٍ...ولزازٍ لكلِّ أمرٍ جسيمِ
شمَّريٍّ نماهُ للعز صقرٌ ...شامخُ البيت من سَراة الأديمِ
شيظميٍّ مهذبٍ ذي فضولٍ ... أبطحيٍّ مثل القناة وسيمِ
صادقِ البأس في المواطن شهمٍ ...ماجدِ الجد غير نِكسٍ ذميمِ
غالبيٍّ مشمِّر أحوذيٍّ ...باسقِ المجدِ مضرحيٍّ حليمِ
وقول ابنة الحكيم بن عمرو تدعو للثأر:
فإنْ لم تنالوا نيلَكم بسيوفِكم...فكُونوا نساءً في الملاءِ المخلَّقِ
وفي صدر الإسلام نجد رثاء الأب بكاء ممزوجًا بالرضا، وصار موت الأب عند النساء فاجعة كونية، ويأتي هذا من قداسة الشخصية المرثية؛ النبي صلى الله عليه وسلم أو أحد آل بيته، وتتداخل العاطفة الدينية مع العاطفة الإنسانية، وتحضر المصيبة العامة للأمة لا الخاصة فقط،
مثال من قول فاطمة الزهراء:
وَكنتَ بدراً ونوراً يُستضاء به...عَليك تنزلُ من ذي العزّة الكتبُ
وَكانَ جبريلُ روح القدسِ زائرنا...فَغابَ عنّا وكلّ الخير محتجبُ
فَليتَ قبلكَ كان الموتُ صادقنا...لَمّا مضيت وحالَت دونك الحجبُ
إِنّا رُزينا بما لَم يُرزَ ذو شجنٍ...مِنَ البريّة لا عجم ولا عربُ
ضاقَت عليَّ بلادٌ بعدَما رحبت...وَسيم سبطاكَ خسفاً فيه لي نصبُ
فأنت واللَه خير الخلق كلّهم...وَأصدق الناس حيثُ الصدق والكذبُ
فَسوفَ نَبكيكَ ما عشنا وما بَقِيَت...منّا العيونُ بتهمالٍ لها سكبُ
ويسيطر على شعرهن الحزن الانفعالي المباشر من بكاء، ونواح، وصراخ، وتكرار النداء، والدعاء للميت، مثل قول: "أعينيّ جودا ولا تبخلا"، وتكثر الألفاظ التي تعبر عن البيئة الإسلامية، مثل: البدر، الكتب، جبريل، والدعاء للميت، والصبر على القضاء، مثل: "وكنت بدراً ونوراً يستضاء به".
وفي العصر العباسي لم أحظ بنصوص نسائية، ويتضح من نصوص الرجال مثل كشاجم، والصولي، والراضي بالله، أنها تتسم بالبكاء الهادئ، وباللغة المصقولة، والتأمل الفلسفي في الموت تأملاً وجوديًّا في معنى الحياة والموت، فالرجل غالبًا يحمل همّ الذات، ويحوّل الفقد إلى سؤال عن المصير والوجود، ويبتعد عن الفخر الحربي؛ بسبب تغير طبيعة المجتمع من الاعتماد على السلطة القبلية إلى الخضوع للسلطة السياسية، ومن الحروب بين القبائل على مواضع العشب إلى التوحد في جيش الخليفة من أجل الفتوح الإسلامية، وتظهر مفردات فلسفية، مثل: الليل، الوحشة، القبر، من ذلك قول كشاجم الذي يبين تحول الحزن إلى حزن وجودي لا قَبَلي:
لا تَبْعَدَنَّ أَبِي الشَّفِيْــقَ وَإِنْ عَذَوْتَ رَهِيْنَ رَمْسِ
وَسَقَى ضَرِيْحَكَ وَابِلٌ...يُضْحِي بِصَوْبَتِهِ وَيُمْسِي
وَلَقَدْ عَلَتْ دُنْيَايَ بَعْدَكَ وَحْشَةٌ مِنْ بَعْدِ أُنْسِ
وَعِشْتُ فِي ظُلَمِ الخُطُوبِ وَكُنْتَ مِصْبَاحِي وَشَمْسِي
وأظهر منه قول أبي العلاء المعري:
أبي حَكَمَتْ فيهِ اللّيالي ولم تَزَلْ...رِماحُ المَنايا قادِراتٍ على الطّعنِ
مضَى طاهر الجثمان والنّفس والكرَى...وسُهدِ المنى والجَيبِ والذيلِ والرُّدنِ
وفي مراثي العصر الحديث (البارودي، شوقي، نزار، درويش، البرغوثي، محمد علي عطا) البكاء بكاء داخلي، وتظهر الذاتية العالية، وتداخل الفلسفي مع العاطفي، والإنكار الوجودي، وتحليل معنى الموت، ومقاربة الحياة بالموت، وإظهار العلاقة الفردية بين الابن والأب الميت، وسرد ذكريات، وانكسار ذاتي، ونهاية مفتوحة، وتظهر الصور الحسية اليومية، مثل: النظارة، الفنجان، الرماد، مثل قول نزار:
وصَحْنُ الرَّمادِ.. وفنجانُه على حالِهِ
ومثل قول شوقي:
أنَا مَن ماتَ ومَن ماتَ أنا
وقد يربط الحزن بالوطن والهوية والاغتراب، خاصة عند الشعراء من فلسطين، مثل قول درويش:
الذي ما له وطن ما له في الثَّرى ضريح
وقول تميم:
إليك مريداً يستمرّ نشيدُها...كما عاد شوقاً للديارِ شريدُها
وتولدُ مِنّي ثمّ مِن ولدي إلى...قيامةِ حقٍّ صادِقاتٍ وعودُها
وفي القدسِ نبني دارَنا بعد غُربةٍ...مريدٌ ورضوى والمحبون عيدُها
وأرضيكِ يا أمّي وأرضيكَ يا أبي...حفيدتهُ أهلٌ له وحفيدُها
وتأتي بلادُ السّروِ تعطيك بيعةً...مجنّحةً فوق السماء أسودُها
وقول نزار الذي يبين العلاقة الفردية مع الميت:
أشدّ يديه.. أميل عليه.. أصلِّي على صدره المتعبِ
وقول تميم:
يغيبُ أُنادِي يا أبي لا تُخَلّنِي...بصوتٍ إذا مَسّ الجِبالَ يُميدُها
فيفتحُ عينيه ويُرسلُ بسمةً...وآلامهُ يُبكي العدوّ عديدُها
يُؤشّر للموتِ انتظر فيطيعُه...كما يأمر الجُندَ الصّغار عميدُها
يشدُ على كفّي وينطق لا تَخف...أجدتُّ حياتي والمنايا أجيدها
يُصافِحُنِي نِدّاً ولستُ بِندّهِ...ولكنّها كَفّ الجوادِ وجُودُها
وقول محمد علي عطا مبينًا علاقة القرب من الوالد الذي يحكي للفتى الصغير حكاية تمتزج بالحكمة والسيرة الذاتية، ولا يفهم الفتى باطنها إلا بعد وفاته:
حَكَى أَبي في مَا حَكَى
ومَا فَهِمْتُ حَكْيَهُ حتَّى مضَى
حَكَى أَبي في مَا حَكَى
عن الجملْ
عن المسير.. عن الشموسِ واللهيبْ
عن الرحيلِ للرحيلِ
لا طعامَ
لا شرابَ
لا مللْ
وأثقلتْ أقدامَه طولَ الحياةِ مَا حملْ
مرَّت سنينُ عمرِه وظلَّ يحدُوهُ الأملْ
الآنَ لاحظتُ فقط
بأنَّ خطوَ والدي في بضِّهِ
خطوُ الرَّمَلْ
وقد مزج تميم في قصيدته الطويلة بين موت والده والواقع السياسي للأمة بشكل مفرط، مما أخرجها عن حد الحزن الأبوي إلى الحزن التاريخي على حال الأمة.
فهذه المراثي تمثل تاريخًا كاملًا للحزن العربي ورحلة تطور الوعي العربي بالموت، وتحوّل الرثاء من صوت القبيلة إلى صوت الفرد، إن الرثاء العربي، كما تكشفه النصوص، ليس غرضًا شعريًا فحسب، بل سجلًّا للوعي العربي بالموت؛ ففي الجاهلية كان الموت خللًا في بنية القبيلة، وفي صدر الإسلام أصبح مصيبة كونية، وفي العصر العباسي صار تجربة وجودية، وفي العصر الحديث تحول إلى سؤال عن معنى الحياة، وفي الشعر الفلسطيني تطرق للسؤال عن الوطن.
التعليقات الأخيرة