news-details
مقالات

نفحات الجمعة: "قراءة تربوية في المشهد العالمي وغزة والصراع في مضيق هرمز

 

".
بقلم/الدكتور عيد كامل حافظ النوقي.
المقدمة: عندما يهتز العالم… ماذا يحدث للإنسان؟:
في كل صباحٍ تفتح فيه شاشات الأخبار، لا نرى مجرد أحداث سياسية، وعسكرية واقتصادية، بل نرى عالمًا تتغير ملامحه، وإنسانًا يقف وسط هذا التغير باحثًا عن الأمان ،والمعنى، والحقيقة.
ومن غزة التي تحمل جرحًا إنسانيًا عميقًا، إلى فلسطين التي ما زالت قضيتها حاضرة في الضمير الإنساني، إلى التوترات المرتبطة بمضيق هرمز، وأمن الطاقة، والممرات البحرية، تتداخل السياسة بالاقتصاد، والأمن بالإنسان، والإعلام بالمشاعر، حتى أصبح الإنسان المعاصر يعيش في قلب أحداث عالمية تصل إليه في لحظتها عبر هاتفه.
وهنا يأتي السؤال التربوي الأهم:
كيف نُربي إنسانًا يستطيع أن يرى الألم دون أن يفقد إنسانيته، ويتابع الأحداث دون أن يفقد عقله، ويختلف دون أن يكره، ويتألم دون أن يتحول ألمه إلى عدوان؟
إن التربية في زمن الأزمات لم تعد تقتصر على المدرسة والكتاب، بل أصبحت تعني أيضًا تربية الوعي أمام الشاشة، وتربية المشاعر أمام المشاهد المؤلمة، وتربية العقل أمام الأخبار المتدفقة.
أولًا: غزة ليست خبرًا… إنها درس في إنسانية الإنسان:
غزة في الوعي التربوي ليست مجرد عنوان سياسي؛ إنها مساحة لاختبار مجموعة من القيم الكبرى: الرحمة، والعدل، وكرامة الإنسان، ورفض الظلم، واحترام الحياة.
وعندما يرى الطفل أو الشاب صور الدمار والضحايا، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط: ماذا حدث؟ بل ينبغي أن نسأله:
ماذا علّمنا هذا الحدث عن قيمة الإنسان؟
قال تعالى:
﴿مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32].
فالإنسان الذي يتربى على قيمة الحياة لا يسأل أولًا عن هوية الضحية، بل يسأل عن حرمة الدم وكرامة الإنسان.
ثانيا: مضيق هرمز… كيف نشرح الأحداث المعقدة لأبنائنا؟:
قد تبدو الأحداث المرتبطة بمضيق هرمز بعيدة عن التربية، لكنها في الحقيقة تحمل درسًا مهمًا في فهم العالم.
فالممرات البحرية لا ترتبط بالجغرافيا وحدها، بل تتصل بالتجارة والطاقة وسلاسل الإمداد وأسعار السلع والأمن الدولي.
وهذا يعني أن الطفل أو الشاب يعيش في عالم مترابط؛ قد يقع حدث في منطقة جغرافية بعيدة، ثم تظهر آثاره في أسعار الوقود أو الغذاء أو النقل في بلد آخر.
وهنا يمكن تحويل الحدث إلى درس في الترابط العالمي:
العالم لم يعد جزرًا منفصلة؛ إنه شبكة واحدة، وكل أزمة كبرى يمكن أن تمتد آثارها عبر الحدود.
ومن هنا تتعلم الأجيال قيمة التعاون الدولي، والحوار، وحماية المدنيين، واحترام القانون، والبحث عن الحلول السلمية للأزمات.
ثالثا:: لا تجعلوا أبناءكم أسرى للمشهد الدموي:
من الأخطاء التربوية أن نترك الطفل أو المراهق أمام مشاهد الحرب،والقتل والدمار ساعات طويلة دون تفسير، أو احتواء.
فالطفل لا يمتلك دائمًا الأدوات النفسية، والفكرية التي تمكنه من استيعاب المشاهد القاسية.
لذلك نحتاج إلى:
التفسير بدل التخويف،
والحوار بدل الصمت،
والطمأنينة بدل التهويل،
والوعي بدل الاستسلام للمشهد.
وليست التربية أن نقول للطفل: لا تهتم بما يحدث.
بل أن نقول له:
اهتم… ولكن افهم.
تألم… ولكن لا تفقد توازنك.
ارفض الظلم… ولكن لا تظلم.
رابعا:ومضة تربوية:
الأحداث العالمية ليست فقط ما يحدث في نشرات الأخبار؛
إنها أيضًا ما يحدث داخل عقول أبنائنا وقلوبهم وهم يشاهدونها.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس:
ماذا يحدث في العالم؟
فحسب، وإنما:
ماذا تفعل أحداث العالم في الإنسان؟
وهنا تبدأ التربية الحقيقية.
خاتمة: فلنربِّ الإنسان الذي يحتاجه العالم
في عالم تتسارع فيه الأزمات، لا نحتاج فقط إلى أجيال تعرف أسماء الدول ومواقع الممرات البحرية وتفاصيل الصراعات؛ بل نحتاج إلى أجيال تعرف قيمة الإنسان.
نحتاج إلى عقل لا تخدعه الشائعة،
وقلب لا يموت أمام المأساة،
وضمير لا يبرر الظلم،
ولسان لا ينشر الكراهية،
ويد تمتد إلى البناء والإغاثة والإصلاح.
إن غزة تعلمنا أن الإنسان قد يُحاصر جسده، لكن لا ينبغي أن يُحاصر أمله.
وفلسطين تذكر العالم بأن القضايا الإنسانية الكبرى لا تختزل في الأخبار العابرة.
ومضيق هرمز يذكرنا بأن عالمنا مترابط، وأن الأزمات في نقطة من العالم قد تصل آثارها إلى نقاط بعيدة.
أما التربية فتقول لنا:
لا نستطيع أن نمنع كل الأزمات من الوقوع، لكننا نستطيع أن نُربي إنسانًا يعرف كيف يتعامل معها.
وهذا هو التحدي الحقيقي أمام الأسرة والمدرسة والجامعة والمؤسسة الدينية والإعلامية:
أن نصنع إنسانًا لا تزيده الأزمات قسوة، بل تزيده وعيًا؛
ولا تزيده الاختلافات كراهية، بل تزيده حكمة؛
ولا تجعله مشاهدًا للأحداث، بل إنسانًا قادرًا على صناعة المستقبل.
 خامسا:نفحة الجمعة:
اللهم احفظ أهل غزة وفلسطين، وارفع عنهم البلاء، واحفظ الأبرياء والمدنيين في كل مكان، وحقن الدماء، وألّف بين القلوب، واهدِ العالم إلى العدل والسلام، واجعلنا ممن يبنون ولا يهدمون، ويصلحون 
اللهم امين يارب العالمين.

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا