مخطوطات السرقة العلمية: تفكيك التدوين الموسيقي المزور في المعهد العالي للفنون الشعبية
بقلم : محمد جمال الدين
حين يتحول الصرح الأكاديمي الذي يفترض أن يكون حصناً للوعي ومحضناً للحقيقة، ومشرطاً دقيقاً لتفكيك الزيف، إلى منصة لتكريس الجهل وتمرير التلفيق، فإننا لا نكون أمام أزمة عابرة في تقييم بحثي، بل نكون أمام زلزال إبستمولوجي، يهدد بنيان المعرفة برمتها، كما أن التراث الشعبي لم ولن يكن في يوم من الأيام مجرد قالب ميكانيكي جامد، بل هو كائن حي ينبض بروح الجماعة وذاكرتها الجمعية.
وحين يتصدى الباحث لدراسة الفولكلور الغنائي والموسيقى لا سيما في بيئة غنية وعريقة، فإنه يتعامل مع مقدسات وجدانية تتطلب أقصى درجات الأمانة العلمية والموضوعية النقدية، ولكن أن يتحول النص الشعري المزور والتحليل الموسيقي المبتسر إلى "رسالة ماجستير" مُجازة بتقدير (جيد جداً) في شعبة الموسيقى الشعبية بقسم فنون الأداء الشعبي، بالمعهد العالي للفنون الشعبية، فتلك هي الطامة الكبرى التي تستوجب صرخة فكرية مدوية توقظ الضمير الأكاديمي من سباته العميق.
إن النص الشعري الماثل أمامنا والمفق مع المقال، وهو أحد نماذج رسالة ماجستير في الموسيقى الشعبية، بشعبة الموسيقى الشعبية، بالمعهد العالي للفنون الشعبية، جاء كالتالي:
"قولي فين أتزينت يا سيد يا عريس / الحنة حجازي والبدلة من باريس"
"قولي فين أتزينت يا محمد يا عليان / الحنة من عمان والبدلة من لبنان"
"قولي فين أتزينت يا جمال يا أبو الجود / عروستك بيضا وحلوة و ع خدها ورود"
يتضح بما لا يدع مجال للشك أن النص لا يحمل من روح الفولكلور الريفي المصري الأصيل، سوى قشرته الخارجية. إذ إنه نص مصطنع ومحرف تم ديباجته بليل ليناسب قالبًا تجاريًا أو نخبويًا دخيلاً، فالمفردات المستخدمة (مثل: البدلة من باريس، عمان، لبنان) تنتمي إلى خطابات استهلاكية بورجوازية غريبة تمامًا عن البيئة الريفية المصرية البكر، التي تترجم أفراحها عبر مخزون تلقائي عفوي يعزف من طين الأرض ودفء النخيل، أما فلسفيًا فإن هذا النص يمثل حالة من الإغتراب السيميائي، إذ يُلبس التراث جلبابًا غريبًا عنه، وتُفرغ الدلالة الشعبية الحقيقية لتستبدل بشعارات ركيكة تفقد الأغنية وظيفتها
ومن المسلمات الأصولية في دراسة الموسيقى الفولكلورية أن اللفظ والنغم وجهان لعملة واحدة، فالإيقاع اللفظي يولد من رحم العروض الشعري، واللحن الشعبي صدى أمين للبنية اللغوية للكلمات، غير أننا نجد فرقاً شاسعًا وتناقضًا أنطولوجيا، إذ يستحيل إيقاعياً ودلالياً أن يتطابق التدوين الموسيقي المرفق، المكتوب بميزان 2/4 البسيط، والمبني على جملة موسيقية واحدة، ومحدودة النطاق الصوتي، مع بنية نص يتغير فيه الضمير والقافية والوزن الضمني بين الأسماء (سيد، محمد، جمال)، والبلدان (باريس، عمان، لبنان)، كما إن محاولة إسقاط هذا اللحن المبتسر على النص تمثل تعسفًا ميكانيكيًا يلغي التفاعل العضوي بين الصوت والمعنى.
بالنظر والتحليل الموسيقي الفاحص، في بند (تحليل اللحن) المرفق، يتكشف لنا سيل عارم من المغالطات العلمية وهي: التناقض الفاضح في تحديد درجة الركوز والمقام، إذ يذكر التحليل أن اللحن يغنى في مقام البياتي المصور على درجة النوى (صول)، ثم يناقض نفسه لقرر أن يبدأ اللحن من الدرجة السابعة للحن الأصلي وهي نغمة (فا)، وهو تخبط نظري فادح يعكس جهلاً بقواعد السير المقامى.
يظهر بوضوح تام كذلك الإرتباك في حصر المساحة الصوتية، إذ يزعم التحليل أن تنحصر المساحة الصوتية في اللحن بين نغمتي (فا، دو)، وهي مساحة ضيقة للغاية تعكس عجز الباحثة عن قراءة النوتة الموسيقية قراءة صحيحة.
هناك كذلك القفزات غير المبررة، إذ جمع التحليل بين توصيفات متناقضة، ككونه يتكون من جملة موسيقية واحدة، مع زعم أنه يبدأ بمسافة الثانية الكبيرة الصاعدة، وهي تعبيرات إنشائية فضفاضة تخلو من الدقة العلمية.
وعليه ومن خلال التشريح النقدي والتحليل الموسيقى المتكامل، الذي يربط بين هشاشة النص الشعري، وعقم التدوين الموسيقي، وترهل التحليل الفني، والتناقضات الصارخة والإستحالة العلمية التطبيقية، يمكننا الخروج باستنتاج قاطع يلامس مرتبة اليقين المنطقي وهو: إن الباحثة لم تجمع هذا النص من الميدان بنفسها قط، ولم تدون هذه النوتة الموسيقية، ولم تنجز هذا التحليل المزعوم!، إذ إن تفكك العناصر وتنافرها يثبتان بما لا يدع مجالاً للشك أننا أمام عمل مُلفق ومُركب، جُمعت أجزاؤه من مصادر متفرقة ودخيلة، ودُست في الرسالة دون أدنى وعي أو إدراك لمدلولاتها، فالباحثة التي تعجز أدواتها عن إدراك التناقض الصارخ بين كون اللحن مقام بياتي على الصول، وبين بدئه من الدرجة السابعة (فا) في تحليل متناقض، وتجهل استحالة تطابق إيقاع الكلمات مع جملة موسيقية واحدة صماء، هي يقيناً باحثة غائبة عن مسرح البحث الميداني والعلمي، فما النص والتدوين إلا بضاعة مستجلبة، أو مغتربة، أُقحمت قسراً لتكتمل شكليات الرسالة دون روح أو حقيقة.
إن السقطات العلمية والموسيقية السابقة، ليست مجرد أخطاء فردية لباحثة يمكن تجاوزها، بل هي رأس جبل الجليد في مأساة مؤسسية موثقة، فهذا النموذج وما يماثله من طامات أُجيزت رسميًا ضمن رسالة ماجستير، في شعبة الموسيقى الشعبية بقسم فنون الأداء الشعبي، بالمعهد العالي للفنون الشعبية، ومنحت الدرجة العلمية بتقدير "جيد جداً"!، وهنا ينعقد السؤال الفلسفي المؤلم: كيف مُررت هذه الرسالة؟، وكيف سكتت المنظومة برمتها؟، لقد تم ذلك بمباركة وتواطؤ تام من الأستاذ المتفرغ المهيمن على الشعبة، وهو الشخص الذي لا يدري شيئاً عن أبجديات التدوين أو التحليل الموسيقى، ليقف موقف الحارس للجهل لا للعلم، وبدلاً من أن يقوم بدوره النقدي، أسبغ شرعيته على العبث، وكتب في تقريره العلمي، الذي سنكشف عن تفاصيله ونتعرض له بالتفصيل بعد استعراض كافة النماذج في المقالات القادمة، أن الرسالة تمثل "نموذجاً للجهد الأكاديمي"!، وهو حكم فج يمثل تهريجاً علمياً وتجريفاً لمعايير الحقيقة.
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل امتد ليشمل مباركة العميدة لهذا العبث الإداري والأكاديمي، في تواطؤ مؤسسي صارخ يطرح علامات استفهام كبرى، حول معايير الجودة والنزاهة في تسيير دفة البحث العلمي، إذ إن إجازة هذه الرسالة ومثيلاتها تمثل جريمة موثقة في حق البحث العلمي، وتزييفاً متعمداً لوعي الأجيال وذاكرة الأمة الفولكلورية.
إن السكوت عن هذا التواطؤ الأكاديمي يعد شراكة كاملة في جريمة اغتيال العقل النقدي، إننا أمام مسخ منهجي وتدمير ممنهج لمقومات البحث العلمي الرصين، ولن نكتفي بهذا النموذج، ففي المقالات القادمة سوف نكشف ونستعرض تباعاً باقي النماذج الواردة في ذات الرسالة، لنثبت بالدليل القاطع أن النسق برمته مغلوط موسيقياً وعلمياً، ولنضع الرأي العام الأكاديمي أمام مسؤولياته التاريخية لإعادة النظر في كيفية تمرير هذه الكوارث تحت يافطة الدرجات العلمية.
التعليقات الأخيرة