news-details
مقالات

تجار الدين وتناقض المواقف حين تتحول المبادئ إلى شعارات لخدمة المصالح

 


بقلم: أيمن بحر

فى زمن اختلطت فيه الشعارات بالحسابات السياسية وأصبح البعض يرفع راية الدين عندما تخدم مواقفه ثم يتجاهلها عندما تتعارض مع مصالحه تبرز الحاجة إلى الوعي والتمييز بين المبدأ الحقيقي والخطاب الذي يتغير بتغير الظروف

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم أين ذهبت تلك الأصوات التي كانت تتحدث عن الصراع في سوريا باعتباره حربا طائفية وتطالب بإسقاط بشار الأسد تحت شعار الدفاع عن أهل السنة وتعتبر القتال هناك واجبا دينيا ثم نراها اليوم تتحدث بلغة مختلفة تماما عندما يتعلق الأمر بالصراع في اليمن وبجماعة الحوثيين التي تتبنى مرجعية مذهبية شيعية

لماذا تتغير لغة الخطاب من موقف إلى آخر ولماذا تصبح الدعوة إلى القتال واجبا في مكان بينما تتحول إلى فتنة محرمة في مكان آخر ولماذا يستدعي البعض النصوص الدينية عندما تخدم توجهاته ثم يكتشف أهميتها فجأة عندما تتغير موازين السياسة

إن القضية هنا ليست الدفاع عن مذهب ضد مذهب ولا التحريض على السنة أو الشيعة فالمذاهب الدينية لا يجوز أن تكون مبررا للعدوان أو إراقة الدماء ولا يجوز اختزال الشعوب في انتماءاتها المذهبية فهناك فرق واضح بين عامة الناس وبين الجماعات المسلحة والقيادات السياسية وبين الخلاف العقائدي والاعتداء على الدول والشعوب

والقرآن الكريم وضع قاعدة عظيمة في التعامل مع النزاعات بين المؤمنين حين قال الله تعالى في سورة الحجرات

﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾

هذه الآية تؤكد أن الإصلاح والعدل هما الأصل وأن التعامل مع البغي لا يقوم على الهوى أو الانتماء المذهبي وإنما على حقيقة الاعتداء وضرورة رد الظلم وإقامة العدل

فأين هذا الفهم عندما تتحول المواقف الدينية إلى أدوات في الصراعات السياسية وأين الإنصاف عندما يكون المعيار هو هوية الخصم وليس أفعاله وممارساته

إن ما يحدث في المنطقة يستوجب خطابا مسؤولا يرفض استهداف المدنيين ويقف ضد الاعتداء على الدول ويحذر من إشعال الحروب الطائفية ويحترم حق الشعوب في الأمن والاستقرار

أما مصر والسعودية فالعلاقة بينهما ليست مجرد علاقة عابرة أو موقف سياسي مؤقت بل هي علاقة استراتيجية ترتبط بأمن البحر الأحمر واستقرار المنطقة ومصالح الشعبين الشقيقين

وعندما تتعرض المملكة العربية السعودية لتهديدات تمس أمنها وسيادتها فإن من حق مصر أن تدرس وسائل دعمها انطلاقا من اعتبارات الأمن القومي العربي والمصالح المشتركة وفي إطار الدستور والقانون والقرارات الرسمية

وقد أعلنت الدولة المصرية استعدادها لتقديم الدعم اللازم للمملكة والدفاع عن أمنها واستقرارها مع التأكيد على أهمية احتواء التصعيد والعمل الدبلوماسي لحل الأزمات

لكن من الضروري أيضا أن نفرق بين الموقف السياسي المعلن وبين القرارات العسكرية النهائية وأن نتحقق من المعلومات قبل تداولها فإرسال القوات المسلحة في مهمة قتالية خارج البلاد له إجراءات دستورية ومؤسسية لا يصح تجاوزها بالشائعات أو التوقعات

إن دعم السعودية لا يعني العداء للشعب اليمني ولا يعني أن كل يمني حوثي أو أن كل من ينتمي إلى مذهب معين مسؤول عن أفعال جماعة مسلحة فالشعوب ليست خصوما بطبيعتها والأمن العربي لا يتحقق بإشعال الكراهية بين المسلمين وإنما بحماية الدول وردع الاعتداءات والبحث عن حلول عادلة ومستقرة

وهنا يظهر الفارق بين من ينطلق من مبدأ ثابت يحترم الدماء والسيادة الوطنية والعدل وبين من يغير خطابه وفقا لهوية الطرف الذي يؤيده أو يعارضه

يا من ترفعون شعارات الدين اسألوا أنفسكم هل الدين عندكم مبدأ ثابت أم ورقة تستخدمونها وقت الحاجة وهل دماء المسلمين لها قيمة واحدة أم أنكم تمنحونها قيمة مختلفة بحسب هوية القاتل والمقتول

إن أخطر ما يواجه المجتمعات ليس اختلاف الآراء بل غياب المعايير وازدواجية المواقف وتوظيف المقدسات في صراعات المصالح

مصر أكبر من أن تنجر وراء خطاب طائفي والسعودية أكبر من أن تكون ساحة لتصفية الحسابات واليمن أكبر من أن يختزل شعبه في جماعة أو مذهب

نحن بحاجة إلى وعي يحمي الأوطان لا إلى شعارات تشعل الفتن وبحاجة إلى خطاب ديني يدعو إلى العدل والإصلاح لا إلى التحريض والانتقائية وبحاجة إلى إعلام يتحرى الحقيقة ولا يخلط بين الخبر المؤكد والتحليل والتوقع

وتبقى القاعدة التي ينبغي ألا تتغير أن العدل لا يتجزأ وأن أمن الأوطان مسؤولية وأن دماء الأبرياء ليست وسيلة لتحقيق مكاسب سياسية

تحيا مصر قوية آمنة مستقرة ويحفظ الله المملكة العربية السعودية واليمن وسائر بلاد العرب والمسلمين من الفتن والحروب

بقلم أيمن بحر

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا