news-details
مقالات

بياع كلمة قتلت حبا لم يعرف كيف يدافع عن نفسه

 


بقلم/نشأت البسيوني 

ليس كل من عجز عن شرح حبه كان كاذبا وليس كل من صمت كان يخفي خيانة فبعض القلوب كانت تحب بكل ما فيها لكنها لم تتعلم يوما كيف تتحدث بلغة يفهمها الآخرون

هناك كلمات لا تمر على القلب مرور عابر بل تستقر في أعمق نقطة فيه وتظل تنزف كلما تذكرها صاحبها مهما مرت السنوات ومهما حاول إقناع نفسه بأنه تجاوز الأمر

وأحيانا لا تكون الكلمة القاسية هي نهاية الحب فحسب بل تكون اللحظة التي يموت فيها شيء داخل الإنسان شيء لا يعود إلى الحياة مهما جاء بعده من اعتذار أو تبرير

كان يحبها بطريقته الخاصة طريقة ربما لم تفهمها وربما لم يعرف هو نفسه كيف يجعلها تفهمها كان يقدم من التضحيات ما لا يتحدث عنه ويتنازل عن أشياء كثيرة دون أن يعلن ذلك ويخفي وراء صمته حكايات طويلة من الخوف عليها والحرص على قلبها والرغبة في أن يراها سعيدة حتى لو جاء ذلك على حساب راحته هو

لم يكن ملاكا ولم يكن معصوما من الخطأ لكنه لم يكن ذلك الرجل الذي يمكن اختصار حبه كله في تهمة واحدة

كانت مشكلته أنه لم يعرف كيف يشرح

كان يظن أن بعض الأشياء تفهم دون كلام وأن المواقف وحدها كافية لتقول ما تعجز عنه الحروف وأن من يحب بصدق سيشعر يوما بما يحمله القلب حتى لو خانه اللسان

لكنه اكتشف متأخرا أن الحب الذي لا يعرف صاحبه كيف يعبر عنه قد يتحول في عين من يحب إلى شك وعتاب واتهامات

وكان كلما حاول أن يشرح نفسه تعثرت كلماته وكلما أراد أن يضع قلبه أمامها ليقول لها انظري هذا كل ما أملك وجد نفسه متهما من جديد كأن كل ما فعله لم يكن كافيا وكأن كل ما ضحى به لم يكن له وجود

حتى جاءت تلك الكلمة

الكلمة التي لم يستطع أن يتجاوزها مهما حاول أن يبدو قويا ومهما أخفى وجعه خلف صمته

قالت له مهما كان طول عمري هقول إنك بياع

يا لقسوة الكلمات حين تأتي من الشخص الذي كنا ننتظر منه أن يكون أحن الناس علينا

لم تؤلمه الكلمة لأنها أهانته فحسب بل لأنها جاءت من الإنسانة التي كان يتمنى أن تكون أكثر الناس فهما لحقيقته من المرأة التي ربما كان يتمنى أن يرى في عينيها براءة موقفه لا أن يقضي بقية عمره يدافع عن نفسه أمام حكم صدر عليها أن تحتفظ به إلى الأبد

لقد فهم من عبارتها شيئا أشد قسوة من الاتهام نفسه أنها لا تتحدث عن لحظة غضب عابرة بل تتحدث عن حكم تنوي أن تحمله عنه طوال حياتها

وهنا بدأ يسأل نفسه سؤالا موجعا

كيف يمكن لإنسان أن يقضي عمره يحاول إثبات صدق مشاعره لشخص قرر مسبقا ألا يصدقه

كيف يمكن لقلب أن يظل واقفا أمام باب مغلق يطرق عليه بكل ما بقي فيه من حب بينما الطرف الآخر يقول له إن هذا الباب سيظل مغلقا إلى الأبد

وكم مرة يجب على الإنسان أن ينكسر حتى يفهم أن بعض المعارك لا تكسب بكثرة الشرح وأن بعض الحقائق لا يستطيع المرء فرضها على قلب لا يريد أن يراها

لم ينس تضحياته لكنه لم يعد يريد أن يحصيها لم يعد يريد أن يستعيد كل موقف ليقول تذكري لقد فعلت من أجلك كذا وضحيت بكذا وتحملت كذا

فالحب الذي يحتاج صاحبه إلى تقديم كشف حساب دائم كي يثبت صدقه يتحول مع الوقت إلى محكمة ويصبح المحب متهما ينتظر الحكم بدلًا من أن يكون إنسانا يبحث عن الأمان في قلب من أحب

ولم يكن يريد أن ينتصر عليها ولا أن يثبت للناس أنها ظلمته ولا أن يأتي يوم تندم فيه على ما قالت

كل ما كان يتمناه في لحظة صدق مع نفسه أن تفهم يوما أنه لم يكن كما ظنت وأن تدرك أن الإنسان قد يحب بصدق لكنه يفشل في التعبير وقد يخطئ في الكلام لكنه لا يستحق أن تختصر حكايته كلها في كلمة جارحة

لكن بعض الأمنيات تظل معلقة في الهواء لا تصل إلى أصحابها وبعض الأبواب لا تفتح مهما طال الوقوف أمامها

ولذلك اتخذ قراره

قرارا لم يعلنه في صخب ولم يكتبه في رسالة طويلة ولم يحتج إلى أن يهددها بالرحيل حتى تشعر بقيمته

اتخذه بينه وبين نفسه في تلك المساحة الخفية من الروح التي لا يراها أحد حين تعب من محاولات الشرح ومن الدفاع عن نيته ومن الخوف الدائم من أن تفسر مشاعره على غير حقيقتها

قرر أنها لن تكون جزءا من حياته مرة أخرى

ليس لأنه توقف عن حبها في لحظة ولا لأنه أصبح يتمنى لها الألم ولا لأنه يريد أن يعاقبها على الكلمة التي جرحته بل لأنه أدرك أن بقاءه في علاقة لا يستطيع فيها أن يتحدث دون أن يخشى الاتهام سيجعله يخسر نفسه شيئا فشيئا

قرر ألا يتحدث معها بعد اليوم

لا عتاب جديد ولا محاولة أخيرة ولا رسالة يكتبها في منتصف الليل ثم يتراجع عن إرسالها ولا انتظار لاعتذار ربما يأتي وربما لا يأتي

قرر أن يصمت لا ليجعلها تشتاق إليه ولا ليختبر إن كانت ستبحث عنه بل لأن الصمت هذه المرة سيكون حدا يضعه لحماية ما تبقى منه

فليس كل رحيل لعبة وليس كل غياب محاولة لاستعادة شخص أحيانا يرحل الإنسان لأنه فهم أخيرا أن عليه أن يتوقف عن الوقوف أمام المكان الذي يتألم فيه

ومع ذلك لم يتخذ قرار الرحيل ليكرهها

وهذه ربما أكثر التفاصيل وجعا في حكايته

أنه سيبتعد وهو لا يزال يحمل لها مشاعر لا يعرف كيف يتخلص منها سيغلق باب الحديث لكن قلبه لن يتحول في لحظة إلى حجر سيمنع نفسه من الاقتراب حتى لو اشتاق وسيقاوم رغبته في الاطمئنان عليها حتى لو مرت به لحظات يتمنى فيها أن يسمع صوتها كما كان يفعل من قبل

قد يتذكر ضحكتها في يوم عادي أو تمر أمامه ذكرى صغيرة كانت تجمعهما فيشعر بأن المسافة التي اختارها أصعب مما تخيل لكنه سيذكر نفسه بأن الاشتياق ليس دائما سببا كافيا للعودة وأن الحنين إلى شخص لا يعني أن الطريق معه ما زال صالحا للسير

سيحبها من بعيد إن بقي في قلبه حب وسيتمنى لها السعادة حتى لو لم يكن هو جزءا منها

سيتمنى أن تجد الراحة التي تبحث عنها وأن يرزقها الله أياما جميلة وقلبا مطمئنا وحياة لا تعرف فيها الحزن لن يتمنى أن تتألم كما تألم ولن ينتظر أن تنكسر حتى يشعر بأنه انتصر ولن يدعو عليها بسبب كلمة أوجعته

فهو لا يريد أن يصبح نسخة من الوجع الذي عاشه

كل ما يريده أن ينجو بقلبه وأن يتعلم كيف يعيش دون أن يضطر كل يوم إلى تبرير نفسه أمام من أحب

وربما يأتي يوم تتذكره فيه فتتساءل لماذا اختفى ولماذا لم يحاول مرة أخرى ولماذا لم يعد يطرق الباب الذي كان يقف أمامه طويلا

وربما لن تتساءل أبدا

وربما ستظل مقتنعة إلى آخر العمر بأنه كان كما وصفته وربما لن تعرف يوما كم آلمته تلك العبارة

لكنه لم يعد يريد أن يجعل سلامه الداخلي متوقفا على فهمها له

فليس من الضروري أن يقتنع الجميع بحقيقتك حتى تعيش بها وليس من الضروري أن يعترف من جرحك بأنه جرحك حتى يحق لك أن تبتعد

إن أقسى ما قد يحدث للمحب ليس أن يفقد من يحب بل أن يفقد قدرته على أن يكون على طبيعته أمامه

أن يخاف من الكلام لأنه قد يدان وأن يتردد في شرح مشاعره لأنه يتوقع أن يساء فهمها وأن يتحول من إنسان يريد أن يمنح الحب إلى إنسان يقضي أيامه في محاولة إثبات أنه لم يكن يخدع أحدا

وهنا يصبح الرحيل رغم قسوته ضرورة لا رغبة

أما كلمة بياع فستبقى في ذاكرته لا لأنها أصبحت حقيقة بل لأنها جاءت من شخص كان يتمنى أن يسمع منه أجمل الكلمات فإذا به يسمع أقساها

قد يسامحها يوما وقد يهدأ وجعه وقد يتعلم كيف يتذكرها دون أن يشعر بذلك الاختناق القديم لكن المسامحة لا تعني بالضرورة العودة والحب لا يمنح أحدا حق البقاء في حياة الآخر إلى الأبد

لقد قرر أن يترك لها حقها في أن ترى الحكاية كما تريد وأن يحتفظ لنفسه بحقيقته كما عاشها

لن يطاردها ليغير رأيها ولن يطلب منها أن تسحب حكمها ولن يعود إلى المكان نفسه محاولا أن يقول للمرة المئة إنه لم يكن بياعا

سيترك الأيام تقول ما عجز هو عن قوله إن قالت شيئا

وسيمضي

ليس منتصرا لأن الحب الذي ينتهي بهذا القدر من الوجع لا يترك منتصرين وليس مهزوما لأن الانسحاب من الألم ليس هزيمة

سيمضي إنسانا أحب وأخطأ ربما في التعبير وتألم وحاول ثم أدرك أن بعض الأبواب لا بد أن تغلق حتى لو كان خلفها شخص لا يزال القلب يريده

 لن تكون حكايته أنه ترك امرأة أحبها بل أنه قرر ألا يعود إلى الحديث معها رغم أنه لم يتمن لها يوما إلا الخير

سيظل يتمنى لها السعادة لكن بعيدا عنه

وسيحتفظ بحبه في مكان لا يطالبه فيه أحد بإثبات صدقه

وسيترك لها ما قالته ويأخذ معه ما شعر به ثم يغلق الباب بهدوء

فليس كل من يرحل قد كره وليس كل من يصمت قد نسي وليس كل من يتوقف عن المحاولة قد انتهى حبه

بعض الناس يرحلون لأنهم أحبوا طويلا وشرحوا طويلا وتألموا طويلا حتى لم يعد في قلوبهم ما يحتمل محاولة أخرى

وأحيانا تكون آخر هدية يقدمها الإنسان لمن أحب أن يتركه يعيش الحياة التي يريدها بينما يتعلم هو كيف يعيش من دونه

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا